"إنتِ مش عايشي بلبنان..." و"إنتو مش عايشين برّا"!!

20 تموز 2020 | 10:01

المصدر: النهار

"انتِ مش عايشي هون تتعرفي عن شو عم نحكي".

"انتِ مش عايشي هون تتعرفي عن شو عم نحكي".

هذه الجملة باتت "ع الموضة" أو Trend تقع على مسمعي في كل حوار يخصّ وضع البلد "المدمّر" من كل النواحي خاصة سياسياً وأخلاقياً. من يعيش في الغربة سيفهم المقصود، أما المقيم في لبنان فسوف يعود ويردّد "انتِ مش عارفي شو صاير هون"؛ وعندما أقول له "وإنتَ مش عارف شو في برّا"، بيفكّرني عم "بتمسخر".

والمفارقة أنني لا أسمع هذه الجملة من أهلي ولا من أصدقائي المقربين ولا حتى من معارفي الذين تركوا المهجر وعادوا إلى لبنان... هل تعلمون لماذا؟ لأننا على تماس دائماً مع بعضنا البعض. وعلى الرغم من هذه الأحوال العاصفة عالمياً بشكل عام وفي لبنان بشكل خاص، غالباً يقولون لي "شو الله جابرك تبقي بالغربة؟"، بالتأكيد لأنهم يعلمون تفاصيل أبعد من الأحوال الجيدة التي توفّرها لنا الغربة.

لا ولن أتذمّر من الغربة لأنها بالنهاية خياري، كما لا ولن "أنظّر" إلى أي أحد بحبّ الوطن والوطنية فكل واحد أدرى بحاله وبظرفه، وحتى اليوم ما زلت أدعو كل راغب بالسفر مهما كان غرضه بأن يسعى له وأن يعيش هذه التجربة.

ولكن ما يلفت انتباهي، خاصة في الآونة الأخيرة، ما أقرأه على الفايسبوك بشكل خاص بين مقيم ومغترب (دون التعميم): اللبناني المقيم يتحدث بنفس اللغة الداعية للهجرة، مع ذكر "عيشة الذل في لبنان واغتصاب الكرامة" ؛ اللبناني المغترب يحاول دائماً أن ينقل الصورة من بلده "الثاني" والمشهدية اليومية- الحياتية، وغالباً ما يأتي الرد في بعض التعليقات "بس أكيد أحلى من عيشتنا من لبنان".

إلى من لا تفارق كلمة "الهجرة" لسانه، أدعوك لو سمحت يوم تصل إلى الوجهة المرجوّة وتنتهي من فترة النقاهة، واستكشاف البلد وتستقر فيه بدرجة مواطن مقيم على أرضه لأكثر من ٦ أشهر أو سنة، أدعوك أن لا تبدأ بلائحة التذمّر التالية:

طريقي طويلة من البيت إلى العمل.

البيت صغير والإيجارات مرتفعة.

لا أتحمّل الانتظار في محطات النقل العام، وليس بمقدوري شراء سيارة نظراً للتكاليف العالية (دفع موقف السيارة، الصيانة، استبدال القطع في حال حدوث عُطل، إلخ).

الإجراءات الحكومية، والانتظار من أجل أخذ موعد،

احترام صف الانتظار في أي مكان ما.

لا زيادة في الراتب.

دفع الضرائب، الضغط النفسي...

فأوّل ما ستتعلّمه التأقلم مع ذلك، والتعوّد أن تكون صديق نفسك قبل البحث عن إنشاء الصداقات مع الغير. وتذكّر أن تخلع عنك ثوب المظاهر لأنه لن يفيدك في الخارج، بل سيساعدك بأن تدرك أنه بشكل ما كان عائقاً أمام قدرتك على تسديد مصاريفك الرئيسية، وسبباً "إنو معاشك ما عم يقدّيك حتى منتصف الشهر". في الخارج سوف تنسى بدرجة عالية حياة الرفاهية لأن كل شيء مطلوب منك، كما ستنسى أحياناً "الواسطة" والخدمات التي تندرج تحت كلمة "بالأمليّة".

وأنت تسير في الشوارع، حتى الأكثر فخامة، لا تستغرب وأنت تشاهد بعض الأشخاص يفترشون الأرض بأجسادهم وأغراضهم، أو عائلة تتخذ من الشارع أو محطة النقل مأوى لها، لا تخف من الأولاد إن جالوا حولك طلباً للمال، لا تشعر بالذعر ممن يجلسون أمام المقاهي أو الأفران أو حتى أجهزة السحب المالي (ATM) بانتظار أن تمدّ يدك وتضع بعض النقود في علبة بلاستيكية صغيرة.

إلى كل من يعتقد أنّ كل مغترب يتقاضى راتباً عالياً أو أنه صاحب ثروة، أقول لك: أنت على خطأ، لأن كثيرين يتقاضون الحدّ الأدنى. ولكن في بلد الاغتراب نتعلم كيف نعيش "ع قدّنا": شراء بعض المواد الغذائية بالقطعة هو أمر مألوف، سهرات الـluxe شبه معدومة، السيارات والهواتف آخر موديل ليست المواد الأولية"، عمليات التجميل المتتالية يمكن الاستغناء عنها، الأعراس "الأسطورية" ليست "دارجة"، سفرات الطعام معدودة... ويتمّ استبدال تلك المصاريف بما هو أساسي: إيجار، ضرائب، قرض منزل، عمل حرّ، تذكرة سفر. نحن المغتربين نصرف بحذر كي نتمكّن من العيش باحترام حتى آخر الشهر، ومن أجل تمضية عطلتنا في لبنان (لمن يختار لبنان وجهة لقضاء عطلته).

حتى في الغربة، يحدث أن تواجهنا المظاهرات، حالة من التدهور الاقتصادي، الجرائم باختلاف أنماطها، البطالة، وغيرها من الأزمات. ولكن الاختلاف هو في استراتيجية تدارك الوضع: أولاً هناك تدخّل الدولة في محاولة لإيجاد الحلّ. ثانياً، كيفية تعاطي الإعلام مع الأحداث بشكل يضمن عدم نشر "الرعب" على مدار الساعة. وثالثاً، عدم "النعي" ليلاً ونهاراً في الحياة اليومية أو على وسائل التواصل الاجتماعي.

هذه ليست وعظة، ولا صورة "ملوثة" عن الهجرة، بل مجرّد تنويه لواقع كل مغترب بات يواجهه، لأن حال الهجرة اليوم لم تعد كالسابق. الهجرة توازن، كما كل شيء، بين الإيجابيات والسلبيات، ليست "الجنة" التي لا يسكنها إلا الملائكة ولا المكان الذي يُنبت مالاً وفيراً.

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard