برج و"بركة السمك المقدس": مزار الزوار ومستراحهم

19 تموز 2020 | 12:47

المصدر: "النهار"

"محمد عبد الوهاب ومحمد عبد المطلب زارا البركة للاستجمام، كما أن أم كلثوم استراحت على ضفتها" (تصوير رولا حميد).

تحتضن مدينة البداوي، إحدى مدن الفيحاء، معلماً أثرياً مملوكيَّ الطابع، يعتقد البعض أنه برج دفاعي انضم إلى سلسلة الأبراج التي أنشأها المماليك عقب دخولهم مدينة طرابلس إثر طردهم الصليبيين منها أواخر القرن الخامس عشر. وبنظر آخرين، المعلم هو تكيّة صوفيّة، وثمة من يعتبره زاوية استُخدمت لشؤون دينية ودفاعية في آن.

يقع المعلم على مسافة 100 متر تقريباً غربي الطريق الدولي، وإلى جانب المعلم، بركة واسعة اشتهرت بقدسية أسماكها بنظر الناس، وشكّلت مقصداً سياحياً هاماً منذ أكثر من مئة عام، فأقيمت حولها المقاهي التقليدية، وزارها كل من زار المدينة، إضافة إلى السكان الذين اعتبروها من المراكز الأساسية للترفيه والاستجمام، وارتبطت البركة بالمعلم الذي اعتمد المقيمون فيه على مياهها.

(تصوير رولا حميد).

البناء

بناء المعلم من حجر بني سميك، أملس، ومن طبقتين، مقفل من كل الجهات، مع نوافذ قليلة، وتظهر في بعض جدرانه فتحات مستطيلة رفيعة عمودية هي الفتحات الموجودة في كافة المواقع الدفاعية من قلاع وأبراج، استخدمت لإطلاق السهام من أقواس كانت السلاح الأبرز الذي طاول الخصوم لمسافات بعيدة.

ترتفع بوابة المعلم الرئيسية نحو ستة أمتار، وهي من الحجر الأبلق -الأسود والأبيض بتناوب- ما يؤكد مملوكيتها، وقد لحقت بها تحسينات وإضافات في العصر العثماني، تؤكدها شبابيك في الأقسام العلوية على شكل النجمة التي انتشرت في العهد العثماني.

داخل البناء، فسحة واسعة تحف بها ردهات مفتوحة على بعض لكن أعلى من الفسحة بدرجتين، أو ثلاث. وفوق الفسحة مباشرة قبة عالية تزيد على العشرة أمتار، مع فتحات إنارة وتهوئة. والبناء من عقود حجر ضخمة، من الطراز القديم المعروف. وفي وسط الفسحة، سلم نزولاً يصل إلى مستوعب لتخزين المياه، يرجح أن مصدرها هو البركة المجاورة.

(تصوير رولا حميد).

ومن باب صغير على طرف الفسحة، يوجد سلم حجر يصل إلى الطبقة العليا من البناء، حيث ممرات وشرفات تحف به من كل الجهات، وحول الممرات غرف صغيرة للإقامة، تطل على محيط البناء، وتبدو الفتحات الرفيعة المستطيلة التي استخدمت لأغراض دفاعية، لكن بأعداد قليلة.

روايات عديدة تنسب إلى البناء، منها أنها "تكية" -المنشأة التي استخدمها الصوفيون لأداء طقوسهم- وربما استخدمت لغايات دفاعية على ما تشير إليه الفتحات المستطيلة التي استخدمت لرمي النبال.

داخل البرج يوجد مقام ينسب إلى السيد البدوي لدى المسلمين، وإلى القديس بدوان لدى المسيحيين، ولا أحد يعرف تاريخه بالضبط، أو قصته وروايته، ومتى دفن في هذا المكان.

(تصوير رولا حميد).

البركة

البركة هي القسم الأقل التباساً من الكتلة الأثرية الموجودة في المحلة. فهي معلم حي، نشأ حيث لا يزال بعض متقدمي السن يتذكرون نشأته، ومنهم من عايش استخداماته التي يبدو جلياً أنها تركت أثراً إيجابياً وحنينيّاً لأيام جميلة لم تفارق ذاكرتهم.

البركة فسحة مشادة باستدارة من حجر ناعم، وبارتفاع يقرب من المتر ونصف المتر، وفي جدران البركة فتحات قليلة تصل إلى مياهها عبر درجات قليلة. وبينما يروي السكان أنها كانت مليئة بالمياه المتدفق سابقاً، وحفّت بها المجالس العامة والمقاهي، فهي اليوم جافة، وغابت عنها الإنشاءات المدنية، لتحل محلها أبنية باطون تتنافى بالكامل مع طابع البيئة المحلية ومع الدور الذي لعبته البركة، بحسب روايات السكان.

(تصوير رولا حميد).

ونظراً لما تقدمه البركة من استراحة صيفية وجمال دائم، طغى اسمها على الموقع. وقد قصد زوار طرابلس من أصناف ورتب مختلفة، الموقع للترفيه على البركة. ويتذكر قدامى مدينة البداوي بأنّ المطربين المصرييّن الكبيرين محمد عبد الوهاب ومحمد عبد المطلب قصدا البركة للاستجمام، فشربا القهوة، واستراحا قبل أن يعودا إلى داخل المدينة، كما أن السيدة أم كلثوم زارت البركة أيضاً، واستراحت على ضفتها، لكنّ أياً من المطربين لم يقدّم أية عروض فنية.

وتروي حكايات أشبه بالأسطورية عن البركة -رغم أن تاريخ بنائها ليس ببعيد- أن الأسماك التي بداخلها هي أسماك مقدسة، بهدف منع اصطيادها وأنّ من يأكلها يمرض.

(تصوير رولا حميد).

ويذكر المتقدمون في السن أن السمك المقدس هو دعاية أطلقها الناس حتى لا يصطاد الزوار الأسماك، فنجحت الفكرة، وازداد السمك فيها بأعداد كبيرة.

وتعتبر بركة السمك المقدس في البداوي واحدة من أبرز المعالم وأقدمها في شمال لبنان على الإطلاق، حيث يرجّح بعض المؤرخين بأنها تعود إلى زمن الفينيقيين، وأنها ترتبط بإحدى الأساطير بحيث إن هذه الأسماك اعتبرت مباركة على مر الأزمان، ويمنع أكلها، والاقتصار على الاعتناء بها وإطعامها.

ظلت بركة البداوي، حتى منتصف السبعينيات، مركز تنزه للطرابلسيين يقصدونه في آخر الأسبوع حيث يجدون المقاهي، ويقومون بإطعام تلك الأسماك، إلا أن الحرب اللبنانية، وتحول المكان إلى مخيم لتنظيمات مسلحة، أدى إلى انقراضها.

(تصوير رولا حميد).

يحيط بالبركة عدد من البيوت التراثية التي تعود إلى تلك الحقبة، كما يوجد هناك فرن قديم، وخان وحمّامات صغيرة، ويعتبر الموقع بمحيطه مكاناً تراثياً وأثرياً بامتياز، وكالكثير من المواقع الأثرية والتراثية في لبنان، لم يتم الحفاظ على البركة كما كانت، كما لم يتم الحفاظ على العديد من الأبنية التراثية السكنية التي كانت تحيط به، إلا أنه تم إدراج الموقع على لائحة التراث منذ أعوام.

وتَظهر إنشاءات من الباطون بدأت منذ السبعينيات وحتى اليوم، وهي تشوه محيط الموقع، كما ارتفعت أبنية باطونية أمام مدخل الموقع، وعلت عليه كثيراً، وأقفلت المنظر عنه، فلم تعد غالبية الناس تعرف أنّ هناك معالم أثرية.

(تصوير رولا حميد).

(تصوير رولا حميد).




والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard