لماذا ستتجنّب واشنطن وموسكو الردّ على قرار تركيا حول آيا صوفيا؟

14 تموز 2020 | 08:38

المصدر: "النهار"

قبّة آيا صوفيا كما تبدو من الداخل - "أ ف ب"

بعد إعادة تركيا تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، ينتظر مراقبون ردود الأفعال المحتملة على هذا القرار. لغاية اليوم، اقتصرت هذه الردود على البيانات. في هذا السياق، تبدو الولايات المتّحدة وروسيا في طليعة الدول التي تملك الدوافع للردّ على القرار التركيّ. 

ففي الولايات المتّحدة إدارة تستند إلى قاعدة شعبيّة مسيحيّة وأفكار محافظة تنبثق في شقّ منها عن القيم المسيحيّة. وتنشط فيها أيضاً مجموعات ضغط تعمل على حماية المسيحيّين حول العالم. وفي روسيا حكم مسيحيّ أرثوذكسيّ، جدّد مؤخّراً التزام إيمان روسيا بالله من خلال تعديلات دستوريّة نالت موافقة غالبيّة الروس. لكن يبدو أنّ دوافع واشنطن وموسكو تنتهي عند هذا الحدّ.

رثاء يحرّر ترامب

يذكر المستشار السياسيّ والعسكريّ السابق في السفارة الأميركيّة في تركيا إدوارد ستافورد أسباباً عدّة ترجّح عدم ردّ الولايات المتّحدة على القرار التركيّ. وكتب في موقع "أحوال" أنّ القاعدة الشعبيّة للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب هي بغالبيّتها من الإنجيليّين: سيرثي بعض هؤلاء إعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد لجهة كونها دليلاً إضافيّاً على محاولات الإسلاميّين القضاء على المسيحيّين في الشرق الأوسط الأكبر، لكنّ غالبيّتهم "تحتفظ بجهودها السياسيّة لحماية الدخول إلى المواقع المسيحيّة في إسرائيل وفلسطين." ومن الأسباب التي عدّدها، استبعاد فرض معظم الديموقراطيّين أيّ ضغط على ترامب خوفاً من أن يوصفوا ب "رهاب الإسلام".

بالفعل، يبدو ترامب متحرّراً من اتّخاذ أيّ ردّ ضدّ الرئيس التركيّ رجب طيّب إردوغان. فالظرف الوحيد الذي دفعه إلى فرض عقوبات على تركيا هو احتجاز الأخيرة القسّ الأميركيّ الإنجيليّ أندرو برانسون. وفُرضت العقوبات حينها قبل أشهر من الانتخابات النصفيّة. في ما عدا ذلك، تفادى ترامب أو أجّل أو خفّف اتّخاذ قرارات متشدّدة ضدّ تركيا في ملفّات بارزة كشراء منظومة الدفاع "أس-400" أو التوغّل في شمال شرق سوريا أو اعتداء مرافقي إردوغان على مجموعات معارضة خلال زيارته واشنطن سنة 2017 وغيرها.

كتب ستافورد أيضاً أنّ آيا صوفيا تحظى بأهمّيّة أكبر لدى روسيا ممّا هي عليه لدى الولايات المتّحدة. لهذا السبب، من الأنسب للإدارة الأميركيّة، بحسب منظورها الخاص، أن تترك لروسيا أمر الردّ على الحكومة التركيّة وفقاً لرؤيته.

"مجرّد تذمّر"

من الناحية النظريّة، يُتوقّع من موسكو أن تكون أقوى من واشنطن في ردّها على الخطوة التركيّة. فآيا صوفيا، بصفتها كاتدرائيّة أرثوذكسيّة سابقة ومقرّاً سابقاً لبطريركيّة القسطنطينيّة، تتمتّع بدلالات رمزيّة وروحيّة أكبر بالنسبة إلى الروس. لكن على الأرجح، لكن يكون المشهد مختلفاً كثيراً هناك. إذا كان الأميركيّون يريدون نقل المشكلة إلى الكرملين، فالأخير أقلّ استعجالاً لتحمّل وزرها وتحويل القضيّة إلى صراع جيو-سياسيّ جديد مع الأميركيّين.

سألت "النهار" ستافورد عمّا إذا كانت موسكو ستردّ على قرار أنقرة فأجاب: "لا، مجرّد تذمّر بصوت مرتفع."

اللافت أنّ الشكاوى لم تصدر كلّها بصوت مرتفع حتى. قبل اتّخاذ القضاء التركيّ قراره، أطلقت القيادات الروحيّة والسياسيّة دعوات أقرب إلى المناشدات. المتروبوليت هيلاريون فولوكولامسكي ألفيف، رئيس دائرة السينودس للعلاقات الخارجيّة لدى الكنيسة الأرثوذكسيّة الروسيّة، قال في حديث إلى التلفزيون الرسميّ إنّه "لا يمكننا العودة إلى القرون الوسطى الآن." وأضاف: "نحن نعيش في عالم متعدّد الأقطاب، نعيش في عالم متعدّد الطوائف ونحتاج إلى احترام مشاعر المؤمنين."

ألفيف الذي تحدّث قبل أيّام قليلة على اتّخاذ المحكمة الإداريّة العليا في تركيا قرارها بإعادة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، وصف الخطوة بأنّها ستكون "خرقاً غير مقبول للحرّيّة الدينيّة." وكان بطرك موسكو كيريل الأوّل قد أمل أن تظهر تركيا "حصافة" عبر الحفاظ على الوضع المحايد لآيا صوفيا، مشيراً إلى أنّ "واجب كلّ دولة متحضّرة الحفاظ على التوازن وتخفيف التناقضات في المجتمع." أمّا بعد القرار، فقد أعربت الكنيسة الروسيّة عن أسفها لأنّ السلطات التركيّة لم تعر مخاوفها اهتماماً.

مناشدات تذهب أدراج الرياح؟

يضيف ستافورد خلال إجابته على أسئلة "النهار": "أعتقد أنّ (الرئيس التركيّ رجب طيب) إردوغان سينظّم أوقات صلاة محدودة، ويسمح للسيّاح بالدخول، وقد لمّح إلى ذلك في تعليق حول مسجد السلطان أحمد (المسجد الأزرق)، وهو يقوم بذلك فعليّاً، الأمر الذي يسمح لبوتين بإخبار بطريرك موسكو – بعدم وجود داعٍ للقلق، (إذ) لا يزال بإمكان كلّ الحجّاج الروس الأرثوذكس الذهاب" إلى اسطنبول ودخول آيا صوفيا.

إذا صحّ هذا التحليل فإنّ بعض المناشدات التي أطلقها مواطنون روس إلى الكرملين للتدخّل ستذهب أدراج الرياح. فقد طالب الملياردير الروسيّ-الجورجيّ من أصل يونانيّ، والنائب الروسيّ السابق إيفان سافيديس الرئيس فلاديمير بوتين باتّخاذ موقف قويّ في الدفاع عن المسيحيّين الأرثوذكس.

وفي رسالة خاصّة، أعلن أنّ أسلافه اضطروا إلى الهرب من منازلهم كنتيجة لاضطهاد السلطات العثمانيّة وقد وجدوا خلاصهم في أراضي الإمبراطوريّة الروسيّة. وتوجّه إلى بوتين بصفته "شخصاً متديّناً بشدّة" كي يولي أهمّيّة إلى الوضع الحاليّ مضيفاً أنّه "ربّما حان الوقت لروسيا كي تدافع مجدّداً عن حماية القيم المسيحيّة العالميّة، وبالتالي أن تعبّر عن توقّعات جميع الشعوب الأرثوذكسيّة."

من جهة ثانية، أطلق قسطنطين كوساتشوف، رئيس لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس الاتّحاد، وهو المجلس الأعلى في البرلمان الروسيّ، موقفاً أقوى إذ قال إنّه سيُنظر إلى روسيا على أنّها "منتهك للتوازن الدينيّ أمام أعين العالم أجمع." وحذّر من ردّ مسيحيّ "سلبيّ للغاية" على القرار. 

سببان آخران

بذل بوتين جهداً كبيراً لخلق شرخ بين تركيا وحلف شمال الأطلسيّ ونجح في ذلك إلى حدّ بعيد. بالتالي، إنّ أيّ خطوة روسيّة تهدف إلى معاقبة تركيا على قرارها يمكن أن تطيح إنجاز بوتين الذي حقّقه على مدى سنوات. وما يمكن أن يعزّز هذه المخاوف، ولو بشكل جزئيّ، انخفاض نسبة النظرة الإيجابيّة لدى الشعب التركيّ إزاء روسيا مؤخّراً لصالح الولايات المتّحدة.

يريد بوتين ألّا يخاطر بموقف قد يعيد الدفء إلى العلاقات التركيّة-الأطلسيّة، علماً أنّ ستافورد ينفي ل "النهار" إمكانيّة قيام بوتين بأيّ خطوة تعيد الحرارة إلى هذه العلاقات، في هذا الملفّ أو في أيّ ملفّ آخر، باستثناء ليبيا.

من جهة أخرى، بنى بوتين مسيرته في السياسة الخارجيّة على انتقاد التدخّل الأميركيّ في الشؤون السياديّة للدول الأخرى. وهذا ما يؤكّده ل "النهار" الباحث الروسيّ المقيم في أنقرة والصحافيّ المتخصّص في العلاقات الروسيّة-التركيّة تيمور أخميتوف:

"أعتقد أنّ المسؤولين الروس لن يصدروا أيّ بيانات جدّيّة حول هذا القرار. عدم التدخّل في الشؤون الداخليّة كان واحداً من مبادئ العلاقات الثنائيّة."

ويضيف أخميتوف وهو باحث في "المجلس الروسيّ للشؤون الدوليّة": "حتى في حال كان بوتين قلقاً للغاية حول هذه المسألة، سيفضّل الحديث عنها مع إردوغان على انفراد."

وكان الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف قد تحدّث في السادس من تمّوز عن "أمل" روسيّ بإبقاء "نظرائنا وشركائنا الأتراك" آيا صوفيا على وضعها كمتحف. لكنّه أكّد أنّه لا يستطيع التعليق على القرار التركيّ نفسه: "هذا شأن داخليّ للجمهوريّة التركيّة." والأمر نفسه شدّدت عليه الخارجيّة الروسيّة أمس الاثنين.

وما الاتصال الذي جرى أمس أيضاً بين بوتين وإردوغان وإشارة بيان الكرملين إلى "التوضيح المناسب" الذي قدّمه الرئيس التركيّ سوى تأكيد على تحليلي ستافورد وأخميتوف معاً.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard