مريم وضحكة الزمن الخريفي

13 تموز 2020 | 10:30

المصدر: "النهار"

"أبي ومريم" (تعبيرية- Andrea Serio).

تبقى الأمكنة رغم تباعدها حنونة، ترسخ في ذاكرتنا كأنّها مصادفة معينة أو موقف عابر أو شرود أزليّ... المشهد اليومي للنساء في مدينة صور التي تعاني كسواها من المدن من "الجائحة" الاقتصادية الخانقة، وتحديداً قرب محطة البيطار،  وهنّ يخترن بتأنٍّ حبّة البندورة أو كيلو الحامض والبصل مع مراعاة ما يملكنه من نقود لإعداد طبخة تُسكت أمعاء الأسرة وتطمئنها أنها ما زالت بعيدة من خط الجوع... هذا المشهد الرتيب اليومي، أعادني إلى امرأة طبع وجهها على جدران ذاكرتي منذ عشرة أعوام... امرأة خمسينية، بشعرها القمحي، ونظاراتها الطبية التي ترتديها المعلمات المقبلات على سن التقاعد، وجسمها الممتلئ وثيابها الأنيقة وبشرتها البيضاء التي تخبئ الكثير من الشحوب والاصرار وإرادة الحياة، امرأة لمحتها مصادفة عام 2008، حين كنت في الحادية عشرة من العمر وقتها، فكان أبي يشير كلامياً في كل صباح يصحبني فيه الى مدرستي ليقول: "شايف هالست يا بيي، شايف قدي بتحب توصل للحياة الكريمة ولو كان مشي"، بخاصة أنها كانت تخطف المسافة من شارع مؤسسات الإمام الصدر الى المساكن، وهو "مشوار" أشبه بطريق الجلجلة على امرأة تقاعد شبابها واضمحلت نضارتها وجف نهر الحب في جسدها. امرأة تقرأ في ملامحها موت الحلم وأثر الابتعاد من البكاء. امراة كانت غريبة عن صبيّ غايته ألا يلطخ مريوله الأصفر الابتدائي بطين الملعب، وأن يمر يومه من دون تنمر، بخاصة اذا تلقى نتيجة الرسوب مجددا في الرياضيات و"geometrie" تحديداً.

كنتُ غبيًّا حين فضلت، كلما رأيناها- وحدثني أبي دون ملل من الرتابة عنها- التركيز على صوت frederic François النابع من مذياع السيارة أو على سمفونيات Mozart وvivaldi التي عودنا عليها أبو نبيل منذ الصغر كل صباح... أذكر مرة أنّ أبي أصر أن ينتفض كمُشاهد على هذا الفيلم الدرامي اليومي، فركن السيارة وعرض عليها إيصالها بدلاً من تشطيب قدميها وحذائها المهترئ بسبب مسافات البقاء الشاقة... لكنها رمت ابتسامة خريفية بائسة ملفوفة بريح زهر الكرز، شاكرة إياه على هذا العرض ومضت. مضت من دون أن أدري في ما بعد، هل صرت أراها فاعتدتُ على مشهد صار شبيها بإشراقة الشمس وغياب الزرقة عن سطح البحر شتاء وإقبال زهر اللوز ربيعًا.

اليوم، وبعد العودة 12 عامًا الى الوراء، تذكّرتها واسميتها في الخيال مريم... مريم الشبيهة بأمنا وأم المسيح، بنفسها العذراء أمام اباحية الحياة ووحشيتها، بأمومتها وانحيازها للنبض عوضاً عن الموت... اليوم سألتني: هل مريم لا تزال على قيد الحياة؟ هل لا تزال تمشّط الأرصفة بحثاً عن لقمة عشيها الأنيقة؟ أم فقط تركت دفأها منتظرة كبري على باب الشيب والنسيان؟

ميسي وفابريغاس وجوزيف عطية والمئات يوجهون رسالة إلى هذا الطفل اللبناني



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard