انفصالٌ عن الواقع... حياة بيروت الليلية تقاوم الأزمات (صور)

11 تموز 2020 | 16:02

المصدر: "النهار"

"ماذا يريدون منّا بعد؟ ألا يحق لنا أن نحتفي بمظاهر الحياة في مدينتنا؟" (تصوير مارك فياض).

بعد اصطدام سفينة "تيتانيك" بجبل الجليد، وبينما كانت تغرق، كان قائد الأوركسترا والاس هارتلي يرى النهاية قاب قوسين منه. المسألة مسألة وقت والأعصاب أُنهكت. سارع وأعضاء الفرقة للمساعدة في الحفاظ على هدوء الركاب عبر العزف، حتى النهاية. المشهد المأسوي يتكرّر. بيروت تغرق، وإرادة العيش تدفع مَن فيها للتخلّص من الحنق والاحتقان بشتّى الأساليب، والسهر واحد منها. فبالرغم من جبل الأزمات الذي اصطدم به المجتمع، ما زالت إنغريد (23 عاماً) ترى في السهر "وسيلةً للابتعاد وإنْ لبضع ساعات، عن الواقع المرعب، حتّى لو باتت مكلفة".

(تصوير مارك فياض).

عددٌ من مطاعم منطقة الجميزة في بيروت عاود فتح أبوابه، فاجتمع برواده الأوفياء. مؤلم المشهد بقدر جماليته. مؤلمة رؤية بيروت تناجي أبناءها عدم التخلّي عنها. موجعة! تختصر نزهة مسائية في شارعي "غورو" و"أرمينيا" مأسوية المشهد، وتنكأ جراحاً أردنا لها أن تندمل، آملين أن تخفيها السنوات. "ولدتُ غداة الحرب ولم أرَ من بيروت سوى الدمار"، يقول عمر (27 عاماً)، "ماذا يريدون منّا بعد؟ ألا يحق لنا أن نحتفي بمظاهر الحياة في مدينتنا؟". نشاطره السؤال عينه. ماذا بقي من بيروت؟ لنفترض أننا قبلنا ببيروت التي نعيش فيها اليوم، مع كلّ المتغيّرات التي طرأت عليها، هلّا سمح لنا المسؤولون أن "نتهنّى" بما خلّفوه؟

هكذا، في شارع بيروتي شهد من الويلات ما شهد، ينفصل المرء عن الواقع. يستشفّ العابر انفصاماً، إذ كيف يمكن لمن يعاني من أزمتين، اقتصادية وصحية، أن يسهر؟ على أي حال، يأتي كلام عمر، الذي، كمعظم روّاد مقاهي الجميزة وملاهي وسط بيروت، لم يرتدي قناعاً واقياً وسط الزحمة، ليجيب على السؤال بسؤال "وجوديٍّ".

(تصوير مارك فياض).

"يشكّل مدخول القطاع السياحي حوالى 8 مليارات دولار سنوياً"، يؤكّد جاد أبو جودة، عضو مجلس الإدارة في نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتسري، لـ"النهار"، "تساهم النوادي الليلية والملاهي بما يقارت 35 في المئة منها". وما يجعل واقعَ القطاع السياحي، الذي تنضوي تحته المطاعم والنوادي الليلية، "مأزوماً" هو بلا شك "موظفوه الـ160 ألفاً، المسجلون في الضمان، إذا ما احتسبنا شريحةً أخرى، تضاهيهم عدداً، غير مسجّلة"، يتابع أبو جودة، "يشكّل موظفو الملاهي والنوادي الليلية 25 في المئة من الموظفين المسجلين".

"توقعاتنا متردّية ومنخفضة"، يقول أبو جودة، "نأمل أن تسهم إعادة فتح المطار بإدخال الدولار إلى السوق، ونتوقع دوماً أن يقع اختيار اللبنانيين على الملاهي والنوادي الليلية لاحتساء الكحول لا على المطاعم".

(تصوير مارك فياض).

بطش كورونا وتقلّب الدولار... ماذا بعد؟

"عشنا سنوات من البؤس والحرمان"، يقول إبرهيم (47 سنة) "نريد أن نعيش اليوم حياةً أفضل. ألا يحقّ لنا؟!". شبح الحرب الذي لطالما أخاف اللبنانيين يعود في كلّ موسم ليقول للمستثمرين إنه لن يمرّ على خير. "نتخوف من موجة ثانية من كورونا، ومن حرب داخلية ومن ارتفاع الدولار". ثلاث نقاط يذكرها أبو جودة بحذر. يخاف أن تتحقّق، فالبلد لم يعد يحتمل مزيداً من الأزمات بعد الانهيار القياسي للعملة. "تحول القطاع إلى جمعية خيرية للمستهلك من جهة، وللتاجر من جهة أخرى"، يقول. "فالأخير يشتري السلع بحسب سعر الدولار الذي حدده المصرف المركزي (3900 ليرة)، ثم يبيعنا إياها بحسب سعر السوق السوداء الذي لامس الـ10000 ليرة". الملاهي والنوادي الليلية "تبيعها بدورها للمستهلك بـ10000 ليرة لتحافظ على زبائنها، فندفع معاشات موظفينا فحسب، ونتكبّد مزيداً من الخسائر".

(تصوير مارك فياض).

"لتحلّ عنّا"، يجيب أبو جودة. "لا نريد منها شيئاً، نريد فقط أن تدعنا نحافظ على زبائننا". قبل يومين، عقدت نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتسري اجتماعاً، أعلنت خلاله أن "قطاع السياحة على موعد فاصل في 3 آب"، معتبرةً أن "المعركة معركة وجود، نكون أو لا نكون". في هذا الإطار يشرح أبو جودة أن النقابة "وضعت قبل شهرين خطة بديلة تساعد القطاع السياحي وقطاع المطاعم والملاهي، تقوم على الإعفاء الضريبي وإعطاء مهل لتسديد المدفوعات والضريبة على القيمة المضافة ومستحقات وزارة المال والبلديات"، مشيراً إلى أنّ مجلس النواب أجّل البتّ فيها "بحجّة دمج القطاعات بخطة واحدة".

(تصوير مارك فياض).

القطاع يستجدي ولا يتحمّل الإطالة في إيجاد الحل الأنسب. بيروت تفقد مزيداً من هويتها مع إقفال المزيد من مطاعمها، وتخسر لقبها كسيدة السهر على الحوض الشرقي للمتوسط. "إذا لم تنفذ مجموعة بنود من الخطة على الأقل، وإذا لم نلمس تحسناً في القطاع حتى 3 آب، سيكون الشارع ملجأنا، داعين لعصيان مدني"، يؤكّد أبو جودة، "كما أننا سنغلق كل القطاع السياحي (مطاعم، ملاهٍ، شقق مفروشة، فنادق، وكالات تأجير السيارات)، حتى تتحرك الدولة وتخجل وتشعر بحجم الأزمة اللاحقة بنا".

(تصوير مارك فياض).


والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard