هويّة لبنان الاقتصادية... هل التوجه شرقاً يغيّرها؟

5 تموز 2020 | 11:55

شعارات مطلبية مرفوعة فوق جدار الإسمنت مقابل السرايا الحكومية.

على الرغم من كل المحاولات لترميم الواقع، تستمر الأزمة اللبنانية بأشكال مختلفة متلونة بالطابع اللبناني الضيق والمرتبط من رأسه حتى أخمص قدميه بالصراعات الإقليمية والدولية، حتى أصبحت الأزمة أعمق من بُعدها الاقتصادي والاجتماعي لتعبّر عن خلل وتشوّهات في النظام اللبناني برمّته، مما أفقد الكيان اللبناني المناعة الداخلية وجعله عرضة للعواصف الداخلية عند تشكّل الغيوم السوداء في المنطقة. ومما أثار زوبعة من الحوارات والانتقادات اللاذعة والصرخات المحذرة هو طرح التوجه شرقاً في العلاقات الاقتصادية الدولية للدولة اللبنانية كمخرج أساسي للأزمة اللبنانية. وتمحورت هذه التحذيرات بل حتى التهديدات حول تغيير هوية لبنان الاقتصادية والثقافية. لذلك نحن هنا أمام إشكالية كبرى: هل التوجه شرقاً يغيّر من هوية لبنان الاقتصادية وتصبح دولة شمولية اشتراكية؟؟

ولمقاربة موضوعية لهذه الإشكالية، يجب الخروج من منصات الاصطفافات السياسية وأجندات المشاريع الخارجية، وننطلق في رحاب التحليل العلمي لإصدار الموقف الاقتصادي المجدي.

إن العلاقات الاقتصادية الدولية في عصرنا الحالي قائمة على التبادلات المتنوعة من مختلف المصادر والاتجاهات طالما يحقق المصلحة الاستراتيجية والاقتصادية للدول. ومع سقوط الاتحاد السوفياتي والحرب الباردة بين الشرق والغرب، وهيمنة العولمة على النظام الدولي، خرجت الدول من أسرها وقوقعتها الدولية وحسم خياراتها بين الشرق الشمولي الإشتراكي والغرب الرأسمالي الديموقراطي، حتى بتنا أمام تشابكات في العلاقات الاقتصادية وتباعدات في الخيارات السياسية. وبين الشرق الصيني والغرب الأميركي- الأوروبي واختلاف النظم الاقتصادية ما بين نيوليبرالية برأسمال متوحش واشتراكية ديموقراطية بطريق حرير نَهِم، نجد هذا الخيط الرفيع من التشابك والتبادل بالمقابل التصارع والتباعد. فالتبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة هو الأعلى عالمياً بحجم يبلغ حوالى 648 مليار دولار مع فائض تجاري لمصلحة الصين بحدود 310 مليارات دولار مما يعني اعتماد الولايات المتحدة بجزء كبير من وارداتها على الصين وهذا ما أحدث الحرب التجارية بينهما وفرض العقوبات الأميركية. وتسقط الحدود والصراعات السياسية أمام ديكتاتورية رؤوس الأموال الباحثة عن فرص الاستثمار والربح غير آبهة بالأيديولوجيات والقوميات والإثنيات، فالاستثمارات الأميركية في الصين تبلغ نحو 14 مليار دولار سنوياً وهي تشكل 10% من حجم الاستثمارات الأجنبية في الصين البالغة حوالى 139 مليار دولار، وبالمقابل تبلغ حجم الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة الأميركية نحو 5 مليارات دولار أميركي. والأهم من ذلك كله حيازة الصين لسندات الدين الأميركية حيث كانت الصين هي الدائن الأول للولايات المتحدة حيت بلغت قيمة سندات الدين التي بحوزتها 1.1 تريليون دولار ثم تراجعت إلى 1.089 تريليون دولار وهي تشكل 16% من مجمل السندات الأميركية البالغة 6.74 تريليونات دولار، لتصبح في المرتبة الثانية بعد اليابان. وهذه هي إحدى أهم وأخطر علاقات التشابك في الاقتصاديات الدولية، فالصين بإمكانها إحداث انهيار مالي واقتصادي للولايات المتحدة ولكن في نفس الوقت تحكم على نفسها بالانتحار والشنق الاختياري، وهذا طبعاً مستبعد حدوثه إلا في ظل حرب كونية. ولا يختلف الواقع هذا مع أوروبا مهد الحضارة الغربية، فالصين تُصنّف ثاني شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بحجم تبادلات تجارية يتخطى 630 مليار دولار سنوياً، وباستثمارات صينية فيها بلغت منذ العام 2010 حوالى 145 مليار أورو، ووصل حجم هذه الاستثمارات الذروة في العام 2016 لتصل إلى 37.2 مليار دولار وتنخفض في العام 2018 إلى 17.3 مليار دولار في السنة. وفي العمق العربي، أصبحت الإمارات العربية المتحدة أنموذج النمو الاقتصادي الذي يُحتذى به والتطور على كافة المستويات، تعتبر ثاني أكبر شريك تجاري للصين في المنطقة العربية بتبادل تجاري 70 مليار دولار ووجود أكثر من 4200 شركة صينية فيها و2500 علامة تجارية صينية مسجّلة فيها، وبحجم استثمارات بلغ 3.7 مليارات دولار في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية. أما الشريك التجاري الأول في المنطقة فهي المملكة العربية السعودية بتبادل تجاري حوالى 78 مليار دولار واستثمارات مباشرة بنحو 2.7 ملياري دولار سنوياً.

نستطيع مما تقدم الإجابة على الإشكالية الآنفة الذكر، بالقول، وفي ظل هذه الأزمة المستعصية، إن تنويع خياراتنا الاقتصادية سواء كانت شرقاً وغرباً طالما أنها تساعدنا في حلّ الأزمة هي من ضرورات الأمن القومي اللبناني، وإن البحث في البدائل التي تساهم في الخروج من عنق الزجاجة التي نحن غارقون فيها هو من أولى الأولويات الوطنية. ومن المؤكد أن التوجه شرقاً مع الحفاظ على العلاقات غرباً لتحقيق مكتسبات اقتصادية لا يعني بالضرورة التخلي عن هوية لبنان الاقتصادية والثقافية، وإلا تحقق نفس المعيار على الغرب الأميركي والأوروبي أيضاً. نعم نحن نفقد هويتنا الاقتصادية والثقافية والسياسية ليس عبر الدعوات إلى التوجه شرقاً، وإنما عبر المأساة الاجتماعية التي يعاني منها اللبنانيون بسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة لعقود من الزمن والفساد المستشري في المنظومة الحاكمة وشبكة محاسيبها.

إن مصالح الدول الاستراتيجية وبخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية يفرض عليها البحث عن الخيارات المتاحة والصالحة لها، وابتعاد المسؤولين فيها عن الترف السياسي وحساباتهم الضيقة ومصالحهم الشخصية، الأمر الذي يناقض سلوك السلطة السياسية الحاكمة في لبنان. وفي النهاية أخشى ما أخشاه أننا في الداخل اللبناني نختلف على خيار الشرق والغرب في حين أننا خارج حساباتهم، يكرسه الأداء السيئ للسلطة.

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard