جامع الحجيجية: مسجد متواضع يتباهى بأجمل مئذنة

5 تموز 2020 | 11:59

المصدر: "النهار"

قبّة جامع الحجيجية من الداخل.

تتعدد الميزات العمرانية، والهندسية، ولكل مسجد حكايته، ولكل موقع أنتماؤه الحضاري، لكن الطاغي على مختلف المنشآت الأثرية الطرابلسية القديمة هو الطابع المملوكي.

في هذا الإطار، يندرج جامع "الحجيجية" الصغير الحجم نسبيا مقارنة مع مساجد طرابلس الرئيسية مثل البرطاسي، والأويسية، والكبير، والتوبة، وطينال، والمعلق، والسنجق وسواها من مساجد طرابلس الأثرية الكثيرة.

يقع الجامع في زاوية متواضعة في سوق النحاسين، ويدل إلى المسجد في الشارع العام مدخله البسيط المجوف، والمقنطر، تغيب عنه المقرنصات الفخمة، والمتدليات، وتظهر فيه زركشات محفورة بأناقة، وجمال على بساطة، وحجارة المدخل متعاشقة بطريقة هندسية رفيعة تتيح له تحمل الأثقال الكبيرة، خصوصا متى وقعت المئذنة فوق المدخل تماما.

كذلك، فإن مئذنته الوحيدة من نوعها، والشبيهة بالبرج، تؤشر إلى تاريخه، فداخله، وباحة الصلاة فيه، تتغطى بمخازن تجارية هي من وقف الجامع، وتغطي أعمالها نفقات العناية به، وترميمه. وبين المخازن، يقع المدخل الوحيد له.

المئذنة ليست كثيرة الارتفاع كما بقية المآذن، وشكلها المربع الضخم، وطريقة بنائها تدل بحسب مؤرخ طرابلس الدكتور عمر تدمري إلى أنها قبة جرس كنيسة صليبية، جرى تحويل وظيفتها إلى مئذنة، ولم تجر عليها تغييرات في الشكل. وهي تتكوّن من نافذتين مقنطرتين من كل جهة من جهات البرج الأربعة، يفصل بين النافذة والأخرى عمود رخام متباسق، يعلو كلا منها تاج محفور بحرفة وإتقان، وكل واحد بطريقة مختلفة عن الآخر. والبرج مسقوف ومقفل من أعلاه، يمنع تسرب المياه إلى داخله.

وبين المئذنة وحرم الصلاة طبقة ثانية فيها بعض غرف لإقامة إمام الجامع، ومن يخدمون فيه، وتطل شبابيك الغرف على الطريق العام، العابر قرب الجامع.

كذلك يبدو جلياً أن واجهته، من أعلى المئذنة، وحتى الطبقة الأرضية، حيث الحرم، مغطاة حديثا بورقة تلييس بيضاء، بدأت تتآكل وتتقلش تحت وطأة عناصر الطبيعة، ما يؤشر إلى عشوائية الترميم الذي خضع له الجامع، وهذا ما يؤكده عدد من المصلين الذين يؤمونه، وكذلك إمامه الشيخ أحمد اسماعيل.

يروي العارفون أن الجامع كلما كان يتعرض للنش، جرت عليه أعمال صيانة ارتجالية غاب خبراء الترميم عنها في ظلال الإهمال الذي تشهده المدينة، وكتلتها الأثرية الضخمة والنادرة. كما قال جيران يؤدون الصلاة فيه انه شهد عدة تحولات ومتغيرات، كانت تجري بين الحين والحين، حافظت على شكل الجامع من الخارج، ما عدا الورقة، وطالت عناصره الداخلية، بطريقة لم تعد معروفة بسبب غياب المتقدمين في السن الذين عايشوا تلك التطورات.

إلى الداخل، عبر بوابته الأنيقة والمتواضعة، والخفيضة المدخل، يلج الداخل إليه إلى الممشى، ومنه عبر درجتين إلى صالة الصلاة المتسعة باتجاهين متقابلين، شرقي وغربي. وبينما بنيت غالبية آثار المدينة من العقود الحجر، فإن سقف المسجد مسطح، وربما خضع لتغيير في السقف، لا أحد لديه معلومات عن ذلك، لكن الظاهر منه حاليا أن سقفه مسطح كأي بيت عادي، وهو مدعوم بقنطرتين آحاديتي الجوانب، خلافا للعقود الحجر، والقنطرتان، تستندان في الوسط إلى عمود غرانيت أسود غريب عن التشكيل العمراني للمدينة القديمة، ويوجد منه في سوق حرج، وبعض مواقع الميناء الأثرية، حيث يعرف أن المدينة في الحقبة التي سبقت الحقبة المملوكية، كانت متمددة إلى الميناء، وعندما دمرها المماليك لدى دخولهم إليها، بقي الكثير من بقاياها متناثرا، وموزعا في كل مكان، وعندما كانت تجري عمليات بناء لأبنية جديدة، أو زيادات تضاف إلى أبنية قائمة، كان البناؤون يستعينون ببقايا المدينة المدمرة، والمنتشرة في أنحاء مختلفة منها. ويعلو العمود تاج محفور على بساطة.

وتتكىء أطراف القنطرتين على مرتكزات تعرف لدى عامة البنائين بال"زفر"، على مدماكين بهدف تمتين الدعم لما تحمله القنطرتان من أثقال فوقهما. وإلى ناحية أخرى من الجامع، ترتكز قنطرة متعاكسة الاتجاه مع القنطرتين الأخريين، على عمود رخام أبيض فريد من نوعه، وفيه زركشات وحفريات معقدة حينا، وحلزونية حينا آخر، ويعتبر العمود هو الوحيد من نوعه في كافة آثار طرابلس. وفي زاوية من القنطرة فتحة ثمانية الأضلاع، للزينة والتهوئة.

قبته التي تعلو حرم الصلاة تبدو حديثة العهد، مسدسة الشكل، تتدلى منها ثريا ثرية التشكيل البلوري، تضفي على الجامع جمالا مميزا.

يروي أحد المصلين أن بركة ماء كانت تتوسط باحة الصلاة، وكانت تستخدم للوضوء، لكنها أزيلت في فترة غير معروفة من القرن الماضي، وبنيت حمامات في جانب من المسجد، للوضوء.

تدمري يتحدث في أبحاثه التاريخية عن المدينة عن الحجيجية بقوله: "يقع (الجامع) في سوق النحاسين، وكان في الأصل كنيسة صليبية، ولا تزال الآثار الصليبية ظاهرة على المئذنة- البرج. جرى تحويلها إلى مسجد في عصر المماليك. وورد اسم الحجيجية في حجة شرعية مؤرخة في منتصف شهر ربيع الأول ١٠١١ه. في عهد قاضي القضاة بطرابلس محمد أفندي الحلبي، وكان من فقهائها: الشيخ الخواجة أبو العز محب الدين، المعروف بفقيه الحجيجية".

مراجع أثرية أخرى تعيد تاريخ بنائه إلى سنة ٨٦١هـ/١٤٥٦م، وتغيرت مساحته قبل نحو ربع قرن، وأقيم فيه منبر. وقد عثر على وثيقة في سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس تروي تعيين مدرس في المسجد، تعود إلى العام ١١٥٠هـ/١٧٣٨م. جاء فيها:

"بمجلس الشرع الشريف المشار إليه قرر متوليه مولانا وسيدنا الحاكم الشرعي، حافظ هذا الكتاب الشرعي فخر، الشيخ محمد بن محمد أفندي الأزهري في وظيفة قراءة جزء شريف بمسجد الحجيجية".

والدا الكسندرا يكشفان تفاصيل اللحظات الأخيرة: الحساب آتٍ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard