إذا أتاك حديث "السّد"

30 حزيران 2020 | 19:40

المصدر: "النهار"

"سيبقى النيل سداً منيعاً بوجه العواصف المقبلة من بلاد الحبش". (أ ف ب)

حديث "سدّ النهضة العظيم" ما زال مفتوحاً، بالرغم من البيان الرئاسي المصري بتبريد الأجواء والإعلان أن أثيوبيا لن تبدأ بملء البحيرة قبل التوصل إلى "اتفاق ملزم".

المشكلة الآن تتمحور حول عدد السنوات التي يستغرقها، والآليات المتّبعة أثناء مواسم الجفاف، والجفاف الممتد، من أجل تفادي الضرر لدولتي المصبّ، وهما السودان ومصر.

قضية مياه نهر النيل وجهٌ واحد من وجوه مياه الأنهار الواردة إلى العالم العربي من الخارج، والذي تتحكم فيه دول الطوق المحيطة به، تُحكم حصارها وتَتحكَّم به، وهي على الشكل التالي:

1- أثيوبيا تحاصر السودان ومصر (حوض النيل).

2- تركيا تحاصر سوريا والعراق (حوض الفرات).

3- إيران تحاصر العراق (نهر الزاب ونهر القارون).

4- إسرائيل تحاصر فلسطين والأردن ولبنان عبر مياه الليطاني والجولان المحتل وفلسطين الممتد عبر نهرَي الأردن واليرموك.

معنى ذلك أن ملف المياه معرض للهزّات والزلازل كما حصل سابقاً مع الدول المذكورة عندما شرعت عواصم القرار ببناء سدود أو شفط المياه لحاجتها إليها وعلى حساب الآخرين.

استمعتُ لحديث تلفزيوني مع محمد حسنين هيكل جرى تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي عزّ أزمة سد النهضة، وفيه شرح وافٍ عن الخلفية التاريخية لقطع المياه عن مصر والقائمة منذ 800 سنة، يلفت النظر فيها إلى مسألة تتعلق بدور وحجم مصر، مفادها أن من يريد القضاء على مصر، سيكون مفتاحه قطع مجرى نهر النيل عنها!

من وجهة النظر هذه، يراجع هيكل موقف بلاده ويلقي اللوم عليها، فقد أسأنا التصرف بالمفاوضات وأوكلنا مصير النهر لأجهزة أمنية، وأشحنا بوجهنا عن القارة الأفريقية، ودخلنا في مغامرات غير محسوبة.

المهم أن موضوع النيل والتلاعب بمياهه ليس حكماً بالإعدام على مجرى عمره 30 مليون سنة، بل إعدام لتاريخ حضارة بشرية وتدمير كامل لهذا المعلم الكبير، فالنهر عند الفلاحين المصريين يسمونه "بحر"، من هنا كان التقسيم الجغرافي لمصر، وجه قبلي ووجه بحري.

وفي عهد اليونانيين أصبح اسمه "النيل".

يروي الثقاة من أهل البحث والمعرفة أن قدماء المصريين يعتقدون أن النيل الذي تُروى منه الأقاليم القبلية نيل خاصّ، وأطلقوا عليه "حعب رسيت"، ويقولون إنّ لولاه لما استطاع النيل المخصص لريّ الوجه البحري إيفاء الحاجة لأقاليمه، وحددوا النيل القبلي "كاعتقادهم" بأنه يبتدئ من جزيرة أسوان، والنيل الخاص بالوجه البحري دعوه "حعب محيت"، وقالوا: إن ابتداءَه من منطقة الدلتا المعروفة قديمًا باسم بابيلون التابعة لإقليم هليوبوليس، وقد نُقش في معبد بيلاق النص الآتي: "إن نيل الوجه القبلي أبو الآلهة الخارج من مغارته "جزيرة أسوان"، ونيل الوجه البحري الخارج من خزانته".

ولمّا قَدِم هيردوت لمصر؛ لمباحثه عن النيل، وحادثَ في شأنه الكهنةَ الصاويين، حاولوا إقناعه بعقيدتهم هذه، ولكن أظهرت المباحثُ الجغرافية والحديثة أنها لا تطابق الصواب.

وكانوا يرسمون نيل الوجه البحري على شكل رجل في ريعان الشباب، ضخم الجسم ثقيل الكتفين كبير الثديين، متشحاً برداء عليه أثمار النيل في بلاد الوجه القبلي ولونها أزرق، ويرسمون تمثال النيل للوجه القبلي على شكل رجل متشح برداء فوقه أثمار النيل الممثلة ببلاد الوجه البحري، ولونها أحمر.

وكانوا يطلقون على النيل أسماء كثيرة، جعلوا منها اسمًا مقدسًا له وهو "حعبي"، ونُقش على حجر كانوب المحفوظ الآن في المتحف المصري في القاعة حرف T تحت رقم ٩٨٠، وتحته العبارة الآتية: "إن النيل حعبي نقصَ نقصًا عظيمًا في عهد الملك بطليموس".

والعامّة كانوا يطلقون عليه اسم آيور، وقال بروكش باشا في قاموسه الجغرافي: إن كلمة آيور هذه مشتقة من كلمة "أور" المنقوشة على مسلة إسكندر ذي القرنين، وجاءت في اللغة القبطية باللفظ ذاته "يور" Your؛ أي النهر، وترجمت التوراة في عهد أحد الملوك البطالسة، وذكر في سِفر الخروج اسم النيل بلفظ آيور، الذي يشبه في النطق الاسم المصري القديم، وقد ورد اسم نيل الوجه البحري بلفظ "وعر".

وقال بروكش باشا: إن كلمة "وعر" معناها باللغة المصرية القديمة المياه الغزيرة في وقت الفيضان، وقال لباج رينوف إنه ورد النيل باسم عرتي، وإن هذا الاسم يشبه كثيرًا الفعل "أر" الذي معناه باللغة المصرية القديمة صعد.

وبعضهم أعطى للنيل من الجانب الغربي للقاهرة اسم "أيوما" أي اليم-البحر، وورد هذا الاسم في قصة شهيرة "تدعى قصة الأخوين"، مكتوبة باللغة المصرية القديمة، وكثيرًا ما أُطلق على النيل هذا الاسم "اسم البحر" حتى اليوم.

واسمه الأصلي مجهول، وقيل: إنه مأخوذ من اللغة اليونانية التي نقلناها من الشعوب الأجنبية، كالفينيقيين وقبائل ليبيا وآسيا الصغرى.

ولما بطلت عبادة النيل زال اسمه المقدس "حعبي"، وأطلقوا عليه لفظ البحر أو النهر، وجاء في قرار ممفيس المنقوش بالديموطيقية وتعني إحدى الخطوط المصرية القديمة التي كانت تستخدم في تدوين النصوص الدينية، أي "لغة الشعب"، أن النيل كان فيضانه منخفضًا في السنة الثامنة من حكم الملك بطليموس أبيفان، وذكر فيه النيل بالديموطيقية بلفظ "إِل" أي النهر.

سيبقى النيل سداً منيعاً بوجه العواصف المقبلة من بلاد الحبش.

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard