روسيا "دعمت طالبان" لقتل جنود أميركيّين... دوافع وتقارير "محيّرة"

29 حزيران 2020 | 20:08

المصدر: "النهار"

وجدت الإدارة الأميركيّة نفسها بمواجهة مشكلة جديدة في عطلة نهاية الأسبوع بعدما نشرت صحيفة "نيويورك تايمس" تقريراً ليل الجمعة ذكر أنّ الاستخبارات الأميركيّة خلصت إلى أنّ جهازاً استخباريّاً روسيّاً دفع مبالغ ماليّة لمقاتلين من حركة "طالبان" لاستهداف جنود أميركيّين. 

كان بإمكان تقرير كهذا أن يمرّ بدون ضجّة كبيرة لو لم يشر إلى أنّ الرئيس الأميركيّ اطّلع على استنتاجات المخابرات الأميركيّة منذ أشهر ولم يتّخذ ردّاً مناسباً. وذكرت الصحيفة أنّ وحدة من "مديريّة المخابرات الرئيسيّة" الروسيّة وزّعت أموالاً على مقاتلين إسلاميّين ومجرمين مقرّبين من "طالبان" لدفعهم إلى قتل عسكريّين أميركيّين أو أطلسيّين.



بين الاتّهامات والنفي

أفادت الصحيفة أنّ 20 أميركيّاً قُتلوا في أفغانستان سنة 2019، لكن لم تكن واضحة عمليّات القتل المشتبه حصولُها بدعم ماليّ من الاستخبارات الروسيّة. ناقش مجلس الأمن القوميّ في البيت الأبيض هذه المعلومات مع وكالات عدّة أواخر آذار، حيث قدّم المسؤولون لائحة من الخيارات المحتملة بدءاً من البيان الديبلوماسيّ وصولاً إلى فرض سلسلة من العقوبات وردود أخرى محتملة، لكنّ البيت الأبيض لم يفوّض المعنيّين اتّخاذ أيّ إجراء، وفقاً للتقرير.

وتوسّعت الإدارة بالإحاطات حول المعلومات الأسبوع الماضي وقد تشاركتها مع الحكومة البريطانيّة المنضوية في الحرب على الإرهاب. وبنى التقرير الاستخباريّ خلاصاته بشكل جزئيّ على التحقيقات التي أجريت مع أسرى من الحركة. من جهتها، نقلت شبكة "سي أن أن" الأحد عن مصدر استخباريّ أوروبّيّ الاتّهام نفسه مشيراً أيضاً إلى أنّ وحدة من "مديريّة المخابرات الرئيسيّة" عرضت أموالاً على مقاتلين من "طالبان" لاستهداف الجنود الأميركيّين.

نفت روسيا بشكل حازم ما ورد في الصحيفة، داعية "نيويورك تايمس" إلى "الكفّ عن تلفيق معلومات كاذبة" والسلطات الأميركيّة إلى "اتّخاذ إجراءات فعّالة" للحفاظ على سلامة موظّفيها. المتحدّث باسم الحركة ذبيح الله مجاهد نفى بدوره ما ورد في التقرير، قائلاً إنّ هذه الاتّهامات لا أساس لها وأنّ جميع عمليّات الاغتيال التي شنّتها الحركة استمرّت سنوات قبل 2019، وبموارد الحركة الخاصّة. وأضاف: "تغيّر ذلك بعد اتّفاقنا مع الأميركيّين، وأرواحهم محميّة ونحن لا نقوم بمهاجمتهم." وحاولت الصحيفة الاتّصال بمجلس الأمن القوميّ ووزارتي الخارجية والدفاع والمخبارات المركزيّة "سي آي أي" من دون تلقّي جواب.

كذلك، نفى البيت الأبيض أن يكون ترامب أو نائبه مايك بنس قد أحيطا بهكذا معلومات استخباريّة. وغرّد ترامب ليل الأحد كاتباً أنّ الاستخبارات أبلغته أنّها لم تجد هذه المعلومات ذات صدقيّة ولهذا السبب لم تبلغ التقرير إليه وإلى نائبه بنس. واتّهم الصحيفة باحتمال "فبركة" خدعة جديدة حول روسيا.


ما الدوافع؟

تتمحور الأسئلة المرتبطة بهذين التقريرين عن الدافع الذي حضّ روسيا على هذه الخطوة لو صحّت معلوماتهما. لم تكن "نيويورك تايمس" الوسيلة الإعلاميّة الأولى التي تحدّثت عن وجود علاقات بين روسيا و "طالبان". فهي أشارت إلى أنّ مسؤولين أميركيّين وأفغاناً اتّهموا سابقاً روسيا بدعم طالبان عبر أسلحة خفيفة وأساليب أخرى.

هنالك عدد من الاتّهامات المشابهة التي وجّهها المسؤولون الأميركيّون إلى روسيا على الرغم من نفي الأخيرة لها. بالنسبة إلى تقرير "سي أن أن" لم يكن المصدر الاستخباريّ الأوروبّيّ على بيّنة من الأسباب التي تدفع روسيا إلى ذلك الخيار: "إنّ هذا النهج القاسي لمديريّة المخابرات الرئيسيّة مذهل ومستهجن. دافعهم محيّر."

في السياق نفسه، قال بعض المسؤولين ل "نيويورك تايمس" إنّ لديهم ظنوناً تتعلّق باحتمال وجود رغبة روسيّة بالانتقام من قتل واشنطن مئات من مقاتلي فاغنر في شباط 2018 حين حاولوا الوصول إلى منطقة نفوذ للأميركيّين في شمال شرق سوريا.

لكنّ الأدلّة التي تؤيّد هذه الفرضيّة قليلة. فالردّ الأميركيّ على فاغنر جاء بعد اتّصال أميركيّ-روسيّ حول المقاتلين المتقدّمين إلى منطقة خشام وقد أكّد الروس أنّ هؤلاء لا يخضعون لأوامرهم. وحتى مع افتراض وجود توق روسيّ للانتقام، فإنّ ثمّة تكهّنات حول سبب اختيار روسيا أفغانستان كمنطقة للردّ على الأميركيّين لا سوريا نفسها. فقد كان بإمكانها الاستعانة بشركاء عسكريّين أقرب إليها من "طالبان"، أكانوا مرتبطين بدمشق أو طهران أو حتى ألوية أخرى من "فاغنر". فدعم الحركة في أفغانستان ليس خالياً من المخاطر، وموسكو تدرك ذلك.


علاقات وأهداف متأرجحة

صنّفت روسيا "طالبان" على لائحة الإرهاب منذ سنة 2003. لكنّها اهتمّت بالعمل مع "طالبان" بعد ظهور تنظيم "داعش" باعتبار الأولى "أهون الشرّين". وأبدى بوتين قلقاً من انضمام آلاف الإرهابيين من القوقاز أو من الجمهوريّات السوفياتيّة السابقة مثل قازاقستان أوزبكستان وغيرهما إلى مجموعات أخرى في سوريا.

إنّ دعم موسكو لحركة "طالبان" قد يعيد التطرّف الإسلاميّ إلى آسيا الوسطى ما يفرض تهديداً على روسيا خصوصاً أنّ أفغانستان تعدّ "حديقة خلفيّة" لها. ربّما لا تزال موسكو غاضبة من تحويل واشنطن أفغانستان مستنقعاً لها في ثمانينات القرن الماضي، وهي تحاول اليوم ردّ الاعتبار عبر جعل البلاد إيّاها مستنقعاً للأميركيّين. لكنّ حدود هذه الخطوة غير واضحة.

سياسيّاً، قد تنطلق موسكو من مقاربة شبيهة بالمقاربة الأميركيّة الجديدة التي تؤمن بأنّ اتّفاقاً مع "طالبان" يقضي بعدم تعاملها أو تأمينها ملاذاً ل "القاعدة" أمرٌ ممكن إذا انسحبت من البلاد. بمعنى آخر، يمكن أن تجد موسكو، كما واشنطن، أنّه بالإمكان مدّ الجسور الديبلوماسيّة مع "طالبان" التي ستقطع علاقتها بالإرهابيّين بمجرّد الاعتراف بدورها السياسيّ في البلاد. واستضافت روسيا مباحثات ضمن "مؤتمر موسكو للسلام حول أفغانستان" في تشرين الثاني 2018 وشباط 2019 من أجل تحقيق "المصالحة الوطنيّة" في البلاد. أمكن هذا الموقف أن يعبّر عن استعداد روسيّ لملء الفراغ الذي سيتركه الأميركيّون في حال غادروا أفغانستان.

من جهته، قال كارتر مالكاسيان، المستشار البارز لرئيس هيئة الأركان السابق الجنرال جوزف دانفورد، أنّه إذا كان الخبر صحيحاً، فالدعم الروسيّ يتّخذ طابع مبادرة "عشوائيّة" عوضاً عن برنامج منسّق من قبل السلطات الروسيّة العليا. وأضاف أنّ هدف روسيا الأساسيّ في أفغانستان هو خروج الأميركيّين لكن ليس بأيّ ثمن. ونقلت "واشنطن بوست" عنه قوله إنّ الروس "قد يريدون خروجنا، وقد يكونون سعداء برؤية بعض الأميركيّين يموتون. لكن لا أعتقد أنّهم يريدون رؤية ‘طالبان‘ تستولي (على البلاد)."

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard