"لقاء تشرين": الكرة في ملعبنا

29 حزيران 2020 | 19:22

المصدر: "النهار"

  • المصدر: "النهار"

صورة من احتجاجات لبنان.

صدر عن "لقاء تشرين" البيان الأسبوعي التالي: "عندما يتوهم الرئيس أنه قيصر، ويفرح الوزير بأنه مجرد صدى، وعندما يتحول الزعيم إلى ديناصور حنون، والقاضي إلى وزير خارجية، وعندما يصبح ضابط الأمن خبيراً مصرفياً، ويتحول المصرفي إلى بلطجي، عندها لا يبقى من الدولة إلا وظيفتا القمع الخالص والنهب المتوحش استباقاً لما هو آت.

إن لقاء بعبدا كان محاولة فاشلة لاستعادة وحدة المنظومة الحاكمة لتأمين تغطية لمسار الانهيار المتعمد الذي يدفع لبنان إليه قسراً. ومع فشلها كشفت هذه السلطة عن وجهها البوليسي والقمعي بشكل فجّ، وبات استخدام الجيش والقوى الأمنية والقضاء والنيابات العامة سلوكاً مستمراً من أجل تأديب الناس وقمع المحتجين على التدهور المالي والاقتصادي والإفقار المذلّ للبنانيين.

إن الوضع في لبنان يتدهور بشكل متسارع على مختلف المستويات بوتائر سريعة تفوق ما حصل في دول أخرى عانت من أزمات مالية واقتصادية خطيرة. ويعود ذلك بشكل خاص إلى أداء الدولة ومؤسساتها العاجزة أو الممتنعة عمداً عن اتخاذ الحد الأدنى من الخطوات المطلوبة للخروج من الأزمة، لا بل إنها تتعمد السير في الاتجاه المعاكس كأنها تدفع البلاد عمداً إلى الإفلاس النهائي والتفكك والفوضى، عن سابق تصور وتصميم.

أمام هذا الاستعصاء يرى لقاء تشرين ضرورة قيام مشروع إنقاذي متكامل وفوري للحؤول دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. كما يرى ضرورة ماسة لمغادرة كل أوهام التعويل بأي شكل من الأشكال على هذه السلطة المنقسمة اليوم، أو مجتمعةً كما كانت خلال العقود السابقة، أو على أي من مكوناتها القديمة أو المستجدة من الطينة نفسها.

وإذ لا أمل يرجى منهم كلهم، تقع مسؤولية تاريخية على قوى 17 تشرين في إخراج لبنان من المأزق وإنقاذه من الانهيار والتفكك الزاحف. وإلى هذه القوى – ونحن منها – نتوجه بندائنا هذا: إن ثورة تشرين هي ثورة الناس، كل الناس المتضررين من نظام التحاصص الغنائمي ودولته الفاشلة ومؤسساته المفرغة من أي سلطة أو قرار، ومن اقتصاد النهب والسرقة والفساد. وهي كانت ثورة مجتمعية متنوعة وسلمية خلخلت النظام وأضعفته، دون أن تتمكن حينها من فرض بدائل تضع البلاد على سكة مرحلة انتقالية تخرج لبنان من الأزمة وتسير نحو الدولة المدنية العادلة ذات السيادة على قرارها الداخلي والخارجي. ونحن أمام هذه المهمة اليوم التي هي طريقنا الوحيد إلى الإنقاذ والخلاص.

إن تحقيق هذا الهدف مهمة تتجاوز طبيعة وقدرة مجموعات الثورة التي حافظت على شعلتها مرفوعة خلال الأشهر الماضية. كما أنها مهمة لن تتحقق من خلال مطالب جزئية على أهميتها مثل استقلالية القضاء، أو "إسقاط حكم المصرف" إذا عُزلت مع مسار التغيير السياسي الشامل وإعادة تشكيل مؤسسات السلطة كلها. كما ان الاستعجال في قطف الثمار من خلال "انتخابات مبكرة" يمكن أن يؤدي إلى تجديد شرعية السلطة بدل تسريع التغيير. كما أن أسلوب التحركات المجزّأة من خلال ملفات محددة والاحتجاج بصيغة ردود الفعل ستكون ضعيفة التأثير، ما يوجب الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً تضع الفعل السياسي هدفاً مباشراً لأي تحرك، والتوجه مباشرة بشكل وطني ومشترك نحو مصدره، بما في ذلك تحويل الاحتجاج على اعتقال هنا أو هناك إلى فعل شعبي سياسي وشعبي مشترك وفعال ضد الدولة البوليسية.

إن تحقيق الأهداف يتطلب أن نطلق مسار استعادة المشاركة الشعبية المواطنية الواسعة، من خلال مناخات وأشكال ومساحات تحرك تتيح لجميع المواطنين والمواطنات المشاركة في الفعل السياسي بشكل فردي أو جماعي. كما يعني ذلك أن تنتقل الفئات والطبقات الاجتماعية المختلفة الى التحرك الجماعي والتعبير عن مصالحها بشكل سياسي ليكون لها صوتها الذي يعبّر عنها في الخروج من الأزمة.

فلم يعد كافياً أن يكون هدف الصناعيين أن يحصلوا على دعم ببضعة ملايين الدولارات لاستيراد مواد أولية هذا الشهر لتعود الأزمة الشهر الذي يلي. ولم يعد مقبولاً أن يكون صوت أصحاب المشاريع والمحلات التجارية والحرفية الصغيرة الذين يشكلون 95% من القطاع الخاص اللبناني مختزلاً بحفنة من كبار المستوردين، وهم غير قادرين على فتح محلاتهم بسبب تدهور سعر الصرف. ولم يعد ممكناً أن لا يكون صوت المهنيين من أطباء وممرضين ومهندسين وأطباء أسنان وصحافيين وأساتذة جامعيين ومعلمين محجوباً، ولا نقاباتهم مستتبعة لأحزاب السلطة، فيما الفقر والجوع والبطالة صارت همهم اليومي. كما لا يجوز أن يكون العاملون في القطاع العام وهيئة تنسيقهم التي احتلت الساحات ثلاث سنوات متتالية، والعمال والمستخدمون على تنوعهم غائبين كفئات اجتماعية منظمة عن الحضور المنظم في الشارع. ولم يعد كافياً أن تكتفي أيضاً الجمعيات التنموية والحقوقية بأسلوب العمل الضيق على قضايا خاصة بها فيما البلد ينهار والحقوق تنتهك بالجملة.... الخ.

إنها لحظة تتطلب تحولاً تاريخياً من قبل القوى الاجتماعية، ومن قبل التشكيلات والحركات الناشطة لاستعادة زخم المشاركة المجتمعية المواطنية والمنظمة تحت مظلة مشروع إنقاذي شامل غير قابل للتجزئة من أجل إنقاذ الاقتصاد من الانهيار الشامل، وإنقاذ لبنان من التفكك. وكما أن العائق الفعلي اليوم هو عائق سياسي متمثل في المنظومة الحاكمة ونظامها وفي السلطة الحالية، فإن الحل أيضاً هو بالضرورة حل سياسي شامل للمؤسسات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، والسياسة الداخلية والخارجية.

ان بناء أوسع تحالف مجتمعي وشعبي من أجل إنقاذ لبنان هو الطريق الواقعي والطريق الأقرب من أجل وقف الانهيار والتفكك. وهذه مسؤوليتنا المشتركة".

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard