قاضي الأمور المستعجلة مستعجل للقضاء على القضاء

29 حزيران 2020 | 12:40

المصدر: "النهار"

قضاء (تعبيرية).

اصدر قاضي الامور المستعجلة في صور أمراً بمنع جميع وسائل الاعلام اللبنانية والاجنبية العاملة على ارض لبنان من إجراء اي مقابلة او حديث مع السفيرة الاميركية تحت طائلة وقف الوسيلة الاعلامية عن العمل مدة سنة في حال عدم التقيد بهذا الامر وتحت طائلة الزام الوسيلة الاعلامية دفع 200 الف دولار غرامة في حال عدم التزام هذا القرار.

من حق اي حزب ان ينزعج من تصريحات سفيرة طالته بالاسم وبالانتقاد، كما من حق اي لبناني ان يحتج على تدخل اي سفير "في الشأن الداخلي اللبناني" من خلال تصريحاته. ولا سيما ان تصريحات سفيرة الولايات المتحدة الاخيرة اتصفت بالوقاحة وبالتدخل المباشر.

لكن هذا "الشأن اللبناني الداخلي" لا وجود له ولا معنى، بدون دستور وقوانين وعلاقات ديبلوماسية مع البلدان الاخرى.

امر القاضي تجاوز الدستور الذي يفصل بين السلطات وينيط بالحكومة ممثلةً بوزير الخارجية مسؤولية العلاقات الديبلوماسية والعلاقة بالسفراء. وتجاوز أيضا قانون "المرئي والمسموع" وحرية الاعلام المصونة في القوانين. كما تجاوز البروتوكولات والاتفاقات الدولية الناظمة للعلاقات الخارجية.

امر قاضي صور، قضى على ابرز المقومات التشريعية لـ"الشأن اللبناني الداخلي" الذي تحجج به لإصدار قراره.

انه يذكّرني بحكاية الدب الذي قتل صاحبه عندما القى على رأسه حجرا كبيرا ظنا منه انه سيقتل فقط الذبابة التي كانت على رأسه.

مخالفة الدستور والقانون اصبحت من يوميات السلطة السياسية والكثير من المواطنين. ولم يعد للقانون اي اعتبار، كناظم للحياة الاجتماعية وحامٍ لحقوق المواطنين.

لافتٌ ان يتولى محامو "حزب الله" الدفاع عن قرار قاضي صور المخالف للقوانين. الاعتبارات الحزبية وُضعت فوق القانون، الذي بدونه، ويا للمفارقة، لا صفة مهنية للمحامين الحزبيين.

لماذا لم تبادر الحكومة باكرا وبشخص وزير الخارجية الى استدعاء السفيرة الاميركية، وهذا ما تتيحه اتفاقية فيينا فى حالة تدخل السفراء في الشؤون الداخلية للبلدان؟ لماذا تخفي الحكومة اسم المسؤول الذي اتصل بالسفيرة الاميركية للاعتذار؟ لماذا تركت السلطة القضاء يأخذ المواجهة على عاتقه؟

ليس فقط لان الحكومة هي اصلا ذات وجهين، وجه رسمي ووجه فعلي، وهذه الازدواجية تنعكس في جميع اعمالها. ليس فقط ايضا لأنها تتفادى المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة، وهي تحاول ان تحافظ على "شعرة معاوية" معها، رغم ان "معاوية" المذكور مكروه مثل الاميركيين.

السلطة والمصرف المركزي والمصارف والصيارفة والقوى الامنية تخالف القوانين. مَن بقي ليحمي المواطن من التعسف والظلم؟

لم يبق سوى القضاء.

يبدو ان تعطيل اقرار التشكيلات القانونية لم يجهز على القضاء بعد، ولا يزال باستطاعة المواطنين مقاومة ظلم السلطة باللجوء اليه.

لذا، كان من المهم القضاء على اي امل يرتجى من هذا القضاء. فجاء هذا "الأمر القضائي" الذي حوّل القضاء الى مهزلة في نظر الدستور والقوانين واللبنانيين والعالم، ولا سيما ان الامر القضائي يتجاوز صلاحيات قاضي الامور المستعجلة نفسه، اي لا يعترف بأصول المحاكمات القضائية. وهذه هي الطعنة الكبرى.

قاضي الامور المستعجلة استعجل القضاء على ما بقي من ثقة بالقضاء.

لكن يبدو ان بعض القضاء لا يزال يقاوم، بالتوازي مع رفض الوسائل الاعلامية التزام أمر القاضي.

وهذا ضوء في هذه العتمة.

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard