مارلين يونس في "أسرار بيروت"... إنّها نداء عاجل! (فيديو)

27 حزيران 2020 | 10:00

المصدر: "النهار"

الوطن والأحلام (تعبيرية- نبيل إسماعيل).

من أين أبدأ وقد حلّقت بي "أسرار بيروت" إلى أحضان الحنين وما عرفتُ كيف أعود؟

وكيف أقارِب تلك القيمةَ الجميلة الجليلة وقد طافت بي عبر أزمنةٍ متعدّدةٍ وفي أماكنَ مختلفة! يَحارُ المرءُ في اختيار المفردات الّتي تُنصف الإبداعَ الشّعريّ للشّاعرة هدى درويش، في تخطّيه حدودَ العقل التّقليديّ لما يحمله من رموزٍ ودلالات واستحضارٍ لقيَمٍ في طريقها إلى الاندثار، أو الإبداع الفنّيّ اللّغويّ والموسيقيّ للدّكتورة مارلين يونس الّتي غزلَتِ اللّحنَ وأتقنَتِ الأداء، في تجلّيهما بأناقةٍ وعمقٍ في صوتٍ نابضٍ متألّمٍ متفائلٍ في الوقت عينه، حيث اللّحنُ يصدَح "الله أكبر" في ترنيمةِ مساء، أو الإبداع النّظريّ في ترجمتِه للحجر واللّون في تصوير "أسرار بيروت"!

إنّها مقوّمات عملٍ فنّيٍّ متكامل، شكّل لنا مدخلاً لفهم ماضي بيروت وحاضرها، المدينة الأبيّة والمجيدة، العريقة والقديمة قِدم التّاريخ، المأهولة منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد، والّتي أطلقوا عليها أسماء كثيرة: المدينة الحلم، الدُّرّة الغالية، شجرة الصّنوبر أو شجرة السّرو، أمّ الشّرائع، ومفتاح الشّرق أو زهرة الشّرق. والملفت أنَّ أكثر الّذين تكلّموا على بيروت، ردّوا اسمَها إلى الأصول اللّغويّة السّامية، كالفينيقيّة والآراميّة والآشوريّة والسّريانيّة، وهي طبعاً لغات أصليّة ومقدّسة. فلا عجب أن تحملَ بيروت هذا الطّابع الرّوحيّ وهي عاصمة لبنان، قلب الله وجبَله المقدّس، البلد الّذي ذُكر في الكتاب المقدّس أكثر من 72 مرّة.

أمّا الإلهة، فهو لقب أطلقَه الفينيقيّون على بيروت، وأحاطوها بكلّ مظاهر العبادة، وجعلوا لها معبداً باسم "بعلة بيريت" أي ربّة الميثاق، حيث تقوم اليوم كاتدرائيّة الأرمن المقابلة للسّراي الكبير من النّاحية الجنوبيّة.

ونظراً لمكانتها العريقة والقدسيّة المحاطة بها، وبِحكم موقعها الجغرافيّ، استقطبت بيروت شعوباً مختلفةً شكّلت حضارتَها وغناها الثّقافيّ والفنّيّ والأدبيّ، وجعلتها قبلةً تتقاطرُ إليها الوفودُ من كلّ حدبٍ وصوب لمشاهدة جمالها والتّمتّع بسحرِ الحياة فيها.

من جهةٍ أخرى، كان لهذه التّغييرات التّاريخيّة الأثر البالغ في التّغيّرات العمرانيّة الّتي شهدَتْها أحياءُ هذه المدينة، نتيجة الاستعمار والحروب، فشوّهت جماليّتها وسلبتها خصوصيتها وتفرّدها.

وبعد آلاف السّنين من وجودها، ومئات المحاولات لاغتصابها، ما أركَعَ بيروت سوى أهلها!

تغيّرت بيروت... خلعَت ثوبَ الهيكل المنقوش بجماليّة التّراث المعماريّ حيث يروي الحجرُ تاريخَ ألفِ حضارةٍ وحضارة، وتحوّلت من لوحةٍ فريدةٍ رسمتْها ريشةُ القدير إلى قبورٍ مرصوصةٍ مات فيها الجمالُ وذَبُلت الحياةُ في داخلها، ففَقدَتْ هويّتَها وتشرّدَتْ، لم نعدْ نجدها سوى في أرشيف التّاريخ، نقصِدُه لنُحيي ذكريات ماضٍ ليس ببعيدٍ، لكنّه مضى سريعاً، مرَّ بنا مرورَ الطّير الّذي أزال بِرَفَّةِ جناحَيه عن مدينتِنا طابعَها الدّافئ، وأرْداها فارغةً إلّا من صخبٍ غريبٍ عنها، دخيل عليها، ما اعتادَه أهلُها وما فطِنوا كيف قَبِلوه وانغمسوا فيه، ولا كيف فقدوا هويّتَهم!

وها هي بيروت توشِكُ أن ترقُدَ صوراً في الذّاكرة والمراجع القديمة، ومقرّاً سياحيّاً لأبنائها أكثر منه للغرباء عنها.

بيروت المعالم تغيّرَت، كذلك تحوّلت الحياةُ فيها إلى زمنٍ غابرٍ جميل نرنو إليه بحنينٍ فنبتسم، ونتمنّى عودتَه، ولكن هيهات يا بيروت وقد اختنقَت روحُك في ضجيجِ البِدَع، أنتِ الّتي كنتِ ملتقى الأديان، أنتِ الّتي عانقَ فيك الوحيُ كتابَ الحياة، والتّجويدُ الابتهالَ، أنتِ الّتي كنتِ الملاذَ الآمن للتّعدّديّة، أنتِ رمز الحرّيّة يخافُ أهلُكِ الصّلاةَ ويفخَرون بالسّهر. فَرِغَتْ فيكِ بيوتُ العبادة، وأُتخِمَتْ ملاهيك، وتَشَرْذَمَ في سمائِك وجهُ الله فأوجَعْتِ قلبه، ومُزِّقَ ثوبُ عُرسِك لكثرةِ ما تناتشَتْه الأيادي فلطّخَتْ طُهرَك، وتخطّى طِباقُك حدودَ المنطق. أراهبةٌ أنتِ ترقص على أنغام مثيرة، أم شيخٌ أمضى فجرَه يعربِدُ مترنّّحاً؟!

عرَفناكِ يا بيروت مرآةً تعكس جمالَ الجمالِ بكلّ أشكالِه، ولكنّ ما وراء مرآتك خفايا أزهقَت روحَك.. فبعد أن تبرّجْتِ، لم نعد نعرفك! فكيف لا "يجنّ التّوقُ" إليكِ؟

لا أخالُني قرأتُ ما يكفي روعةَ هذا العمل، إنْ من حيث الكلمة الّتي تحمل ألفَ وجعٍ وألف رسالة، وهذا الدّور الحقيقيّ للأغنية الّتي تضوعُ فتلمسُ الرّوحَ وتهزُّ الضّمير، أو من حيث ترجمة هذا الوجع باللّحن الشّرقي الرّاقي الدّافئ الّذي يتغلغل في ثنايا القلب، والصّوت الاستثنائيّ الأقرب إلى الصّلاة الّتي تدغدغ الوجدانَ منه إلى الغناء..

في الحقيقة، إنّ هذا العمل المتميّز هو الّذي قرأ أبعادَنا الإنسانيّة والرّوحيّة في واقعٍ أليمٍ يكادُ يسلِبُنا آخرَ خشبة خلاصٍ ليَرميَنا في غدٍ مظلمٍ، نقبعُ فيه آلاتٍ مسيَّرةً لا دنيا لها ولا آخرة.

باحثة لبنانيّة في الفلسفة والعلوم السّياسيّة والاجتماعيّة

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard