لماذا يكتسب انفجار بارشين في إيران أهمّيّة خاصّة؟

26 حزيران 2020 | 11:25

المصدر: "النهار"

انفجار بارشين قرب طهران كما بدا ليلاً - وكالة فارس للأنباء

ذكرت تقارير صحافيّة مدعومة بفيديوهات تمّ تداولها على مواقع التواصل الاجتماعيّ حدوث انفجار كبير في بلدة بارشين الواقعة على بعد حوالي 25 كيلومتراً جنوب شرق طهران والتي تضمّ مجمّعاً عسكريّاً بارزاً. لكنّ المتحدّث باسم وزارة الدفاع الإيرانيّ العميد أمير داود عبدي تحدّث عن انفجار خزّان غاز صناعيّ في المنطقة لا في المجمّع العسكريّ نفسه.

يأتي هذا الانفجار بعد حادثتين أخريين شهدتها إيران هذه السنة: إسقاط الحرس الثوريّ طائرة ركّاب أوكرانيّة عن طريق الخطأ في كانون الثاني وقصف سفينة عسكريّة إيرانيّة عن طريق الخطأ أيضاً سفينة دعم أخرى أثناء تدريبات روتينيّة الشهر الماضي. وقُتل في الحادث الاوّل 176 شخصاً معظمهم إيرانيّون فيما راح ضحيّة الثاني ما لا يقلّ عن 19 بحّاراً. لكنّ الانفجار الذي حصل الليلة الماضية في بارشين لم يسفر عن وقوع ضحايا وفقاً لداود عبدي الذي ذكر أنّ التحقيقات لا تزال جارية لمعرفة أسبابه.


شهرة بارشين

تشتهر بارشين بالمجمّع العسكريّ الذي يضمّ قاعدة كبيرة حيث يُشتبه بأنّ فنّيّين إيرانيّين قاموا باختبار مكوّنات شديدة الانفجار لرأس حربيّ نوويّ أوائل القرن الحاليّ. لكنّ إيران نفت هذه الاتّهامات. ومنذ سنة 2012، طلبت الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة من إيران بشكل متكرّر السماح لها بدخول المجمّع للتحقيق، لكنّ السلطات المحلّيّة رفضت هذا الأمر حتى أيلول 2015.

قالت الوكالة إنّه خلال السنوات الثلاث، تمّ إدخال تعديلات كثيرة على المنشأة مثل تغطية المبنى الرئيسيّ وإزالة واستبدال وتجديد هياكل الجدار الخارجيّ وهدم خمسة مبانٍ في الموقع وغيرها من الإجراءات.

في ذلك الشهر، تمّ السماح للوكالة بكشف محدود ومقيّد على الموقع. وسلّم الإيرانيّون بأنفسهم عيّنات من المنشأة طلبها مسؤولو الوكالة. بعد إجراء دراسة، وجد الخبراء الأمميّون جزيئات معالَجَة من اليورانيوم الطبيعيّ. لكنّ الوكالة لم تتمكّن من التوصّل إلى استنتاجات قطعيّة. تعليقاً على ذلك، أشار "معهد العلوم والأمن الدوليّ" في دراسة إلى أنّ استراتيجيّة إيران في الإنكار وتعديل الموقع ورفض وصول خبراء الوكالة إلى الموقع والتعتيم عليه نجحت في منع الوكالة من اتّخاذ قرار واضح.

سبق أن تعرّضت منشأة بارشين سنة 2014 إلى انفجار أو حريق بحسب تقارير صدرت في ذلك الوقت، وأكّدتها صور لأقمار اصطناعيّة درسها المعهد نفسه. حينها، رأى مدير برنامج نزع الأسلحة وحظر الانتشار في "المعهد الدوليّ للدراسات الاستراتيجيّة" مارك فيتزباتريك أنّ بارشين هي قطعة أساسيّة من الأحجية في ما يتعلّق بالكشف عن ماضي إيران لجهة احتمال إجرائها اختبارات نوويّة.

سمح عدم توصّل الوكالة الدوليّة إلى استنتاج قاطع حول ماضي المنشأة العسكريّة بتمرير الاتّفاق النوويّ ب "سلاسة" والذي دخل حيّز التنفيذ في كانون الثاني 2016. ولا تزال تلك المنشأة خارج نطاق التفتيش الأمميّ بموجب بنود الاتّفاق المعروف رسميّاً باسم "خطّة العمل الشاملة المشتركة".


"خط أحمر"

مع انسحاب الولايات المتّحدة من الاتّفاق وردّ إيران بتخلّيها عن بعض موجباتها النوويّة، تمتّع المجمّع العسكريّ بالمزيد من الأهمّيّة كأحد المواقع التي يُشتبه باستخدامها من قبل إيران لتطوير برنامجها النوويّ. فقد زادت إيران مخزونها من اليورانيوم المخصّب بما يفوق حدّ 300 كيلوغرام. كذلك، خصّبت اليورانيوم بنسبة تتخطّى 3.67%. وفي تشرين الثاني 2019، قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي إنّ إيران تمتلك كمّيات يورانيوم مخصب بنسبة 20%، مضيفاً: "لكن بإمكاننا إنتاج أكثر من ذلك وفقاً للحاجة."

كذلك، وجد تقرير للاستخبارات الألمانيّة في تشرين الأوّل 2019 أنّ إيران سعت إلى الحصول بطرق غير شرعيّة على تكنولوجيا نوويّة بحلول أواخر 2018. لكنّ هذا التقرير لم يغيّر الموقف الأوروبّيّ القاضي بالالتزام بالاتّفاق النوويّ. وأعلن النائب السابق للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أولي هينونين أنّ منع مفتّشي الوكالة الدوليّة للطاقة الذرّيّة دخول المنشآت العسكريّة يناقض اتّفاق الضمانات الشاملة الذي وقّعته إيران بمعزل عن الاتّفاق النوويّ.

منذ أن بدأت إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب تضغط على إيران في الملفّ النوويّ وتطلب السماح للمفتّشين الدوليّين بتفتيش المنشآت العسكريّة، رفضت إيران تلبية هذا المطلب. وقال مواطنون إيرانيّون إنّ تفتيش المجمّعات العسكريّة هو "خطّ أحمر"، بينما رأى المسؤولون الإيرانيّون أنّ هذه المجمّعات هي جزء من السيادة الوطنيّة.


ثلاث فرضيّات

إضافة إلى أهمّيّة تاريخ مجمّع بارشين لجهة الاشتباه بإجراء اختبارات نوويّة داخله، يتميّز المجمّع بكونه "أكبر منشأة عسكريّة لتصنيع المتفجّرات في إيران" وفقاً لما نقلته صحيفة "نيويورك تايمس" الأميركيّة اليوم عن الباحث في "مركز جايمس مارتن لدراسات حظر الانتشار" في "معهد ميدلبوري للدراسات الدوليّة" ومقرّه كاليفورنيا، فابيان هينز. لجميع هذه الأسباب، كان من المتوقّع أن تتباين التحليلات حول خلفيّات الحادث.

فقد نقلت الصحيفة أيضاً عن الخبير في الشؤون الإيرانيّة في الكلّيّة البحريّة للدراسات العليا أفغون أوستوفار قوله إنّه بالنظر إلى حساسيّة تلك القاعدة العسكريّة، "من السهل اشتمام تغطية محتملة". وأضاف: "يمكن أن يكون أيضاً حادثاً في منشأة عسكريّة، تشتمل بشكل محتمل على وقود لصواريخ بالستيّة. احتمال ثالث، بالطبع، أنّه لم يكن حادثاً بل عوضاً عن ذلك شكلاً من أشكال التخريب."

تمّ اكتشاف عمل طهران على تطوير برنامج نوويّ سنة 2002 حين أعلنت مجموعة إيرانيّة معارضة وجود أبحاث سرّيّة في مفاعل آراك ومنشأة ناتانز لتخصيب اليورانيوم. بينما كشفت لندن وباريس وواشنطن الأعمال الجارية في منشأة فوردو النوويّة. لكنّ بناء القدرات النوويّة لإيران لم يبدأ مع انتصار الثورة سنة 1979 بل في أواخر خمسينات القرن الماضي أيّام الشاه محمّد رضا بهلوي، وتمّ بدعم من الولايات المتّحدة وفرنسا وألمانيا.

أوقفت طهران لفترة موقتة العمل في المنشآت النوويّة خصوصاً خلال السنوات القليلة الأولى على وصول الثورة إلى الحكم، قبل أن تعاود استئناف نشاطها لاحقاً. وتشير طهران إلى حقّها بتخصيب اليورانيوم لغايات مدنيّة بينما يشكّك الغربيّون والأميركيّون تحديداً بالنوايا السلميّة لإيران في برنامجها النوويّ.

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard