المقبرة اللبنانيّة "الموعودة": تَجَنَّبوها!

25 حزيران 2020 | 10:45

المصدر: "النهار"

اللوحة لمنصور الهبر. (تعبيرية)

لجأ ابن المقفّع في كتابه "كليلة ودمنة" إلى الاختباء خلف الحيوانات لتوجيه رسائله إلى الطاغية، جاعلًا كلامه على ألسنتهم، خوفًا على نفسه وحياته، من بطش الحاكم وحاشيته وجنوده والجماعات التي تأتمر بأمره.

كان هدفه واضحًا: نقد الإعوجاج الذي أصاب ممارسة الحكم، بغية تقويم هذا الإعوجاج، وإصلاح أحوال المجتمع والرعيّة.

أكتب هذا المقال بصفتي مواطنًا أقلّ من عاديّ.

بناءً عليه، لن ألجأ إلى الترميز، بسبب الخوف والتقيّة والمواربة والممالأة والخبث والمكر والانتهازيّة، أو لسوى ذلك من أسباب، بل سأقول الأمور كما يقولها المواطن الأقلّ من عاديّ.

أسوق القول، لا عن "تهوّرٍ" في إشهار ما أعتقد أنّه حقّ، ولا بسبب الإفراط في الشجاعة، بل احترامًا للبنان أوّلًا، وللجمهوريّة، وللدستور، والقانون، والمقامات، ثمّ احترامًا... لذاتي، ولكرامتي، ولما أشعر به، وأفكّر فيه، وأعمل بموجبه، باعتباري - أحاول - أنْ أكون مواطنًا صالحًا، أخذًا بالقول "فليكن كلامكم نعم نعم أو لا لا".

وعليه، فإنّي – بتواضعٍ متهيّبٍ، وبصدقٍ ما بعده صدق، وبحبٍّ لهذه البلاد ما بعده من حبّ، وبخوفٍ على المصير ما بعده من خوف، أقول للحاكم، ولمَن يقف وراءه، وأمامه، ومن على اليمين، وإلى اليسار، ولمَن يرشده، أو يُملي عليه، أو يوشوش في أذنه وقلبه وعقله، أو يبتزّه – أقول للحاكم: لقد وصلتَ أيّها الحاكم إلى الطريق المسدود، فعبثًا تنطح الطريق المسدود.

ما أقوله للحاكم، وتيّاره، وحاشيته، ومستشاريه، وللمستفيدين منه، والمتحلّقين حوله، في الداخل والخارج، أقوله لـ"حزب الله"، الذي يملك الحجّة غير القابلة للنقاش، حجّة القوّة العنيفة، حجّة السلاح الذي ليس في يد الدولة: يجب أنْ ترفع يدكَ عن لبنان.

انطلاقًا من هذا، أدعو المجتمعين اليوم في القصر الجمهوريّ، وبالقوّة نفسها، أدعو المقاطعين، وهم جميعهم من الطينة نفسها، ينتمون إلى الطبقة السياسيّة العفنة الموبوءة الفاسدة، التي أوصلت لبنان وأهاليه إلى ما هو عليه هذا الوضعُ الجحيميّ الذي لا سابق له في تاريخ الجمهوريّة، أدعوهم إلى رفع اليد نهائيًّا عن لبنان.

لم يعد ينفع أيُّ علاجٍ تقترحونه، أو تعدون به الناس جزافًا.

العلاج الحقيقيّ لن يكون على أيديكم الموصومة بتجويع الناس وتشريدهم، ونهب أموالهم، وإفساد المؤسّسات، وترهيب الأحرار، وفبركة التهم، وإذلال القضاء السيّد الحرّ المستقلّ.

إنّ أيديكم هذه، ملطّخة بدم الجمهوريّة.

لا أريد ثأرًا. ولا أدعو إليه. لا أريد انتقامًا، ولا أدعو إليه.

أريد – أنا المواطن المتواضع جدًّا - خلاصًا للبنان وللبنانيّين. وهذا لن يكون على أيديكم. وأنا أقصدكم جميعكم بلا استثناء.

وإذا لم تكن الظروف السياسيّة والموضوعيّة متوافرة في اللحظة المرعبة الراهنة، لوضع حدٍّ لهذه السلطة، فيجب ألّا يمثّل ذلك ذريعةً لكم للهرب إلى الأمام، ولمواصلة هذين القتل المادّي والمعنويّ للجمهوريّة وللجمهوريّين.

الطريق مسدودٌ أمامكم، فلا تنطحوا الطريق المسدود.

هذه النصيحة هي نصيحةٌ مجّانيّةٌ من مواطنٍ أقلّ من عاديّ. فاغتنِموها، قبل أنْ تتراكم غيومٌ سامّةٌ وحالكةٌ، وظروفٌ "قَدَريّةٌ"، معقّدةٌ، ومتراكبةٌ، ومصالح متنافرةٌ – متآخيةٌ، محلّيّةٌ وإقليميّةٌ ودوليّة، تأخذكم وتأخذنا جميعًا، وتأخذ لبنان إلى المقبرة التي لا قيامة منها.

[email protected]

خط أحمر كارثي وحذارِ ما ينتظرنا في الخريف!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard