شرفاء على حافة الانقراض

24 حزيران 2020 | 14:56

المصدر: "النهار"

حجل (تعبيرية).

اِستيقظَ الفلّاح باكرًا عند ظهور نجمة الصبح، معلنة مداعبة سكون الليل لشوق التراب في الحقول.

قبل اِنبلاج الفجر، استقر الصمد على نيرٍ، وتهادى للآذان صوت الأرض، المغبوطة بفرح العطاء، من جراء صداقة أبديَّة مع سكة وأغنية.

هذا الصوت الجهوريّ، مع تعليمات للفدّان بلغة فريدة، لا يفهمها سوى مجتمع الفلّاحين، وحرتقة (المسّاس) على جوانب السّكة لإزالة العشب العالق. أيقظ في إحساس حجال الجوار نوادرَ عن رفقة الفلاح، فانطلقت أصواتها كرّات، ترددت في الوديان تسابيح تناجي الرب بإيقاع ساحر للألباب.

تهادى إلى مسمع الفلاح صوت حجل يتربع على عرش التراث:

- أيها الفلاح الصديق بثوبك البهي، وإرادتك ومثابرتك على العيش الكريم دون منَّة من أحد، إنك مصدر عيشنا، تزرع البذور الآن، وتشرئب صموخ القمح من تحت التراب بعد حين بطعمها اللذيذ. فاِلتقاطها مسلانا وحاجتنا إلى الطعام أول الربيع.

- نعم أيها الحجل سبحان من توَّجك ملك الوعر، لنشكر الرب الذي وهبنا الطبيعة امًا للجميع. صموخ القمح التي وجدتها مع أترابك أحيت (اليحبون)، فلولا زياراتكم المحببة المتكررة إلى حقلي، لكانت السنابل ضنينة هزيلة، فقد توسّعت آفاقها، وأخذت ما تستحق من شمس وهواء وماء، جعلها تضاعف مردودها.

- صديقي الفلاح، اختلافك عن البشر، أمثولة للكفاح من أجل البقاء. حفاظك على هندامك الجميل، شروال فويّق الأرض يتهادى مصدرًا لراحة السير والجلوس، لبّادة على رأسك توجتك أميرًا منسيًّا. تشابهْنا في المسار والمصير. فكلّما غزت الزراعات الحديثة حقولًا وبقاعًا ببيوت بلاستيكية وجرارات، أفل نجمك وبَقيّت فلاحًا أخيرًا يناضل من أجل شرف الحصاد بعرق طاهر، هكذا نحن فقد زحف العمران إلى عقر دارنا، قُطعت الغابات من ملاعبنا، فُتِتت الجبال لاستخراج الصخور والرمال، وشُقّت الطرقات في الوهاد. فسهلت للصيادسن الوصول إلى مرابعنا بأسلحة فعّالة حديثة، وأساليب تضليل وخداع مُحكمة، من آلات تسجيل، سجّلت صوت إناثنا وغيرهم من الطيور... وما زال بعضنا يصارع بمعركة غير متكافئة خوفًا من الانقراض.

- يا حجل، تغزّلت بلباسي وكفاحي وأنت لا تعلم إنك أوفر الطيور جمالًا، أناقتك لم تخطها يد صنائعيّ، صمودك من جبالٍ يا ابن الريح والعواصف، تغار الشمس من حمرة منقادك. تتشابه صلابة كفيك بصلابة جذوع السنديان. ريشك الرمادي المخطط بلون الصخر، لوحة ربانية تعجز عنها العبقرية رسمًا ووصفًا. إنك سر لبنان، تختال صامتًا فوق التلال. غنّتك سفيرتنا إلى النجوم، في حضن موطنك المحبّب جبل صنين الشامخ. شُبِّه اختيال الحسناوات بكرجتك. كم آنست الراعي، وتبادلت مع منجيرته إيقاعات، ترددت سحرًا ربانيًّا في وديان، وتلاشت جمالًا كشهب السماء. نعم تشابهنا في المسار والمصير، فالطرقات التي وصلت ديارك تفرعت من (أوتوسترادات) تصب في المدينة، بما فيها من ملاه ومخاطر وآفات اجتماعية، قوّضت مجتمعات وجرَّت أولادنا وأحفادنا الى الهلاك. إذا لم نمت بالرصاص متنا من المخدرات والتلوث وأمراض مواخير الدعارة. وأصبح الفلاح المسكين ضمن لائحة شرفاء على حافة الانقراض. أصبحنا وإياكم مواطنيين أصليين نادرين كالهنود الحمر، ربما يتذكر أحفادنا اننا كنّا رمز الصمود في جبال العنفوان.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard