رواية "الجوع" وصفٌ للمذهب الإنساني للبؤس المدقع

24 حزيران 2020 | 09:58

المصدر: النهار

من خصائض الرواية الوجودية أنّها تحتكرُ المذهب الإنساني الذي يطلّ من خلاله الكاتب على زمهرير الواقع المخزي الذي يتعرّض له الإنسان في كلّ مكانٍ وزمان

من خصائض الرواية الوجودية أنّها تحتكرُ المذهب الإنساني الذي يطلّ من خلاله الكاتب على زمهرير الواقع المخزي الذي يتعرّض له الإنسان في كلّ مكانٍ وزمان، وقد تزاحم على ناقلي حواشيها الكثير من الروائيين الغربيين والشرقيين، مثل ألبير كامو وسارتر ونجيب محفوظ ودوستوفيسكي وغيرهم، هؤلاء الذين اتّخذت رواياتهم طابع الثراء الإنساني والقلق الوجودي والتبرّم من فكرة الموت، مازجين بين المنعطفين الموضوعي والشخصي، معمّقين الأحداث الجارية في انسيابٍ ميتافيزيقي يخدم الحبكة بشكلٍ تام.

في عبقريةٍ وصفية وجودية نادرة، يصف الروائي النروجي كنوت هامسون الحاصل على جائزة نوبل للآداب، حالة الجوع بتفاصيلها الدقيقة المتأنّية منذ بدايتها حيث يقول: "فيمَ كل هذا الاهتمام بما عساي آكله، وما عساي أشربه، وبما عساي أكسو به جعبة الحشرات الحقيرة التي اسميها جسدي الفاني؟ أوليس الله رب السموات والأرض يرزقني كما يرزق الطير في الجو؟ فكم من مرة تركني أروح وأغدو في أمن، ‏أسير بهذه الثغرة المفتوحة في رأسي ولم ينزل بي مكروهاً".

ثم يتدّرج في الانحطاط المعنوي والبدني حتى تعصف الآلام بالجسد والروح معاً في شخص كاتبٍ مسكين، يفقد عمله ذات يوم فتتالى عليه أيّام الضيم والفاقة، ويجد نفسه في اصطدامٍ عنيف مع حالاتٍ نفسيةٍ قاتلة تنتابه، فمن نُزلٍ لنزلٍ آخر يُطرد منه لأنّه لا يملك أجر إقامته، يجد نفسه في الشارع بلا مأوى وبلا طعام، فيتبخّر الوحي من ذهنه الذي نضب من الحاجة، ويجد نفسه عاجزاً عن الكتابة لأي صحيفة لقاء أجرٍ زهيد.

¬¬¬الإبداع في خلق تلك الحالة الدقيقة لدى هامسون، حيث تأخذ تلابيب الجوع المدمّرة بذهنية البطل فتتوالى عليه التهيؤات والهلوسات، ويشكّك هو نفسه في مدى ثبات صحته العقلية، ويسلّي نفسه باستقطاب أنظار الناس من خلال لعبةٍ مسليّة يحول بها فكره عن تذكيره بجوعه المدقع، ثم يتعجّب من إعجاب فتاةٍ به، يصارحها بحاله فتبتعد عنه، ويغوص في فلسفة النأي بالنفس عن الذل وطلب الإحسان، ويرفض أن يمدّ يده للغير، ولكنّ نفسه تلحّ عليه أن يطلب من الجزار قطعة عظمٍ بحجّة أنه يريد إطعامها لكلبه، فيهرع لينتحي بها جانباً ويحاول قضمها ما استطاع رغم حالات القيء التي تنتابه، وفي هذا يصف الكاتب نزاعه المرير مع نفسه بهذه الكلمات: "انسحبت مريضا من الجوع، حرّان من الخجل، لقد صار مني كلب من أجل عظمة حقيرة، ومع ذلك لم أصل إليها. لا، لا بد من وضع حدّ لهذا، فالحق أن الأمور قد سارت بعيداً، لقد ضبطت نفسي سنوات طوالاً، وثبتُّ في

الساعات الشداد، وهأنذا الآن قد انحدرت إلى هاوية الشحاذة القاسية".

ونراه يلجأ أخيراً إلى قضم قطع الخشب، ويتضرّع بإيمانٍ مطلق إلى الله على أمل أن يجد فلسفة البقاء في رحابه فيمدّه بالصبر والقليل من الرزق ويصرخ مستنجداً قائلاً:

"تحركت الريح وجرى السحاب في السماء، وكلما ازداد الظلام ازداد البرد، فسرت أبكي طول الطريق، وأخذت الشفقة على نفسي تتزايد، فأخذتُ أردد مراتٍ جملة واحدة، وهي صرخة كانت تُرسل بدموعي كلما أرادت أن تتوقف: ‏"مولاي وإلهي، ما أسوأ حالي! مولاي وإلهي، ما أسوأ حالي!"

ثمّ يثور ويفقد ثقته بالخالق ويقوم بتوجيه إهاناتٍ له محمّلاً إياه مسؤولية اللعنة التي حلّت عليه، من جوعٍ وتشرّدٍ وفقرٍ جاحد، ولا يلبث أن يساوره الندم، فيقفز ذهنه من الحالة القصوى للسخط، إلى الحالة الأقصى للرضا من غير سبب، وتتوالى عليه نوبات كآبةٍ لاشعورية، تفلسفُ لنا الوجود برسمٍ بلوري شفاف، فنعيش معه بتفاصيل متناهية في الدقة والوضوح، ويغلب عنصر الشغف على حواشي النص بأسلوبٍ ثابت الجاذبية لا تنقص منه قيد أنملة.

يلخّص هامسون حالة البطل الجائع بجملة تحوي الكثير من العِبر وتنطبق على المجتمعات الفقيرة، حيث يقول: "إن الفقير الذكي أدق ملاحظة من الغني الذكي. فالفقير يرى حواليه في كل خطوة يخطوها، فهو يرهف الأذن مرتاباً لكل كلمة يسمعها من الناس الذين يلقاهم، وكل خطوة يخطوها تلقي على أفكاره ومشاعره واجباً وعملاً. فهو حاد السمع، شديد الحس، رجل تجارب، ذو نفس تتحرق".

كنوت هامسون روائيٌّ ارستقراطيّ الإبداع استحقّ جائزة النوبل بكلّ جدارة وخلّف رواية تنطبق على الأزمنة المقبلة.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard