عبارة "بيّ الكل" إهانة لأسس الدولة الحديثة

22 حزيران 2020 | 13:58

علم من دون أرزة (تعبيرية- حسن عسل).

تعيدنا عبارة "بي الكل" إلى زمن الموناركية الأوروبية قبل نشوء الدولة الحديثة حيث كان الحاكم أو الملك يستمد سلطته من السلطة الأبوية التي تناقض مفهوم الحكم المرتكز على العقل والقانون. سمّى ماكس ويبير هذا الحكم "Patrimonialism"، أي نظام الوصاية الذي يعتمد على الشخص وعلى معايير العلاقة الشخصية في الحكم التي تطغى على منطق القانون والمؤسسات، حيث تأخذ السلطة شرعيتها من سلطة الأب، التي تقوم على شخصه وقدسيته وصعوبة استبداله. فهو الذي يملك سلطة استنسابية كبيرة تتخطى سلطة المؤسسة التي يمثلها، وهو الذي يقرّر من سيرث السلطة. أخطاء الأب مغفورة لأنه يحق له القسوة على أبنائه بين وقت وآخر من أجل مصلحتهم، كما يمنع مساءلته، بل يتعرّض للتأديب كل من يحاول ذلك.

تستمد النخبة الحاكمة باسم المونارك سلطتها من سلطة الأب، ومن علاماتها استخدام عامل "الجينات" في التعيينات السياسية، حيث يتمّ رسم التحالفات والشراكات في السلطة مع من يشاركها المبادئ، والهوية، والأهداف نفسها.

في انكلترا، استعمل سلطة الأب في حكمه، الملك جيمس الأول الذي تولى الحكم في العام 1603 "كأب لجميع أبنائه لديه واجب تأمين التعليم، والمأكل للجميع".

بدأ الانتقال من السلطة الأبوية إلى سلطة القانون عند مباشرة الفصل بين "الخاص" و"العام" وبين سلطة "الشخص" وسلطة "المؤسسات والقانون".

لم يتم الانتقال في لبنان إلى مرحلة بناء الدولة الحديثة، والدليل ليس فقط إطلاق تسمية "بي الكل" أو "خي الكل" من دون محاسبة واعتبارها طبيعية ليس فقط من قبل الموالين بل أيضا من الخصوم الذي يوجهون نقدهم له "كأب" وليس على أساس سلطة كرئيس جمهورية ورئيس أكبر كتلة نيابية في البرلمان عندها واجب التشريع والمراقبة.

سلطة الأب يمكن أن تكون على طائفة، أو عشيرة، أو عائلة، أو حتى على كل الناس، لكنها تبقى متعلّقة بالشخص ومنافية للمواطنية التي تحدّد العلاقة بين المواطن والدولة عبر مجموعة من الحقوق والواجبات.

من هذا المفهوم الأبوي للسلطة، استُبعِدت النساء من السلطة، إلّا في حال رضا الأب. في هذا الصدد قالت الكاتبة لين هانت إن "النساء دخلن الحكم عند موت مفهوم الأب في السلطة".

نعيش في لبنان في ظل أوليغارشية تحكمها مجموعة من الأشخاص في غياب أحزاب حديثة. فأحزاب السلطة تقوم جميعها على "الشخصانية" وتغيب عنها الديموقراطية الداخلية، والدليل عدم وجد تداول للسلطة في تلك الأحزاب إلا من طريق الوراثة.

لا نحتاج إلى أب او أخ في السلطة. نحتاج إلى نساء ورجال يعملون ضمن مؤسسات تحكمها القانون والعدل والمساواة بين كل المواطنين. نحتاج إلى تحكيم العقل وليس العواطف الأبوية من أجل الوصول الى المساواة في الحقوق والواجبات واحترام حريات الجميع بغض النظر عن رضا الأب.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard