الهجرة هي الحلّ: لكن يا لقساوتها في حلاوتِها

22 حزيران 2020 | 10:01

المصدر: النهار

الهجرة هي الحلّ: لكن يا لقساوتها في حلاوتِها

أنا من بلدٍ عريق، أينما جلتَ في العالم تجد منه خصلة. أنا من بلد الطّوائف والعيش المشترك الكاذب. أنا من بلدٍ جميل مدمّر. أنا خرجتُ إلى هذا العالم في هذا الوطن الصغير، ولا أدري إن حالفني الحظّ بذلك أم لا.

منذ وُلدت، لم أهدأ من سماع المشاكل الموجودة فيه. أصوات الحرب تدقّ في سماء هذا البلد بين حين وحين، وإن لم تكن حربًا يشنّها العدوّ الخارجيّ علينا. كانت حربًا داخلية بين أحزاب هذا الوطن التي ترمي التّهم والفتن لتبقى حيّة. نعم، لتبقى حيّة!

الأحزاب في لبنان تستفيد منّا، من ضعاف النفوس والفقراء والذين لم يروا شيئًا من هذا العالم إلاّ حنّية بعض المسؤولين وقت الانتخابات. هذه الأحزاب خرجت من حربٍ كان ضحيّتها شباب لبنان وأولاده. خرجت من حربٍ حمل السلاح فيها أخ على أخيه. المؤلم ليس الحرب فقط أو شراسة الأحزاب في هزّ أبدان السلام الداخلي. المؤلم هو أن هذه الأحزاب استلمت حكم الدولة، وما زلنا حتى اليوم نرى الوجوه ذاتها، نسمع الأصوات ذاتها، ونحسّ الوجع ذاته، كلّما لمحنا أحد الذين افتعلوا هذه الحرب جالسًا على كرسيّ ويحكمنا. نحن ضعفاء! هذا الشعب ضعيف، مكبّل، يعيش في خوفِه وفي غصّةِ الكتمان على المطالبة بحقوقِه.

غريب هذا العالم. يقالُ عن لبنان إنّه صلة الوصل بين الشرق والغرب، أي توجد فيه كلّ ثقافات العالم. يُقال عن بيروت عاصمة الثقافة. ويُقال عنّا إنّنا اخترعنا الحرف.

وكيف أمام كلّ هذا النعيم الذي نعيشُ فيه أصبحنا هكذا؟ أيّها النّاس، هذا الشعب يعيش في ساحةِ ألاعيب خفيّة، يُحرّك كما يشاء الزّعيم. وكأنّنا في لعبة الشطرنج، ومن يحكمنا هم الملوك، نقدّم أنفسنا فداءهم، نموت ونهوي لأجلِ بقائهم.

أستغرب كثيرًا كيف لشخص أن يأخذ مِمَّن نهب وسرق ودمّر وكسّر، قدوة. أنا قدوتي في هذا العالم، أبواي. أبواي البعيدان عن كلّ حزب، ولم يعلّموني أن ألتحقَ في حزب. وهذه التربية في لبنان نعمة ونقمة. لماذا؟

نعمة لأنّك ستكون كالطّير الحرّ، تلعب أينما تريد ومع من تشاء من أبناء جلدتِك. لن يهمّك دينه، أصله أو عقيدته. فقط ستكلمه وتحبّه لأنّه إنسان مثلك.

نقمة، لأنّ في لبنان من له يد في حزبٍ ما، يعني له واسطة في أيّ عمل يقدم عليه. والأحزاب تهمّش من ليس منها، وما أحلاه من تهميش! لكن في لبنان كلّ رئيس يمثّل قوّة الطائفة، فترى كلّ واحد ممّن وصلوا إلى مركزِ الحكم، يقوم بتوظيف من حوله، بينما أنت أيها الطائر الحرّ لك حظّك في عالمك الزهريّ الذي تراه بعينِك المليئة بالحياة.

كلّنا أبرياء. أفعالنا بريئة لكنّها قاسية على ذاتِنا.

نقسو على ذاتِنا كلّما شتمنا أحدًا لأنّه يختلف عنّا، لأنّه لا ينتمي إلى ما ننتمي إليه.

اليوم، نحن في الجوع. نحن وصلنا إلى الهاوية. صبرنا طيلة أعوام، تنفّسنا من هواءِ الوعود المطلقة. عشنا على أحلامٍ مكسورة، في عالم يقبض عليك إن حلّقت عاليًا. لبنان جميل، لكنّكم أيّها الحكّام علّته وشهوته. جعلتم الجبل والسهل والبحر لكم، جلّلتم جمال هذا البلد ومجّدتموه في اسمكم. لم تخدمونا بشيءٍ سوى السرقة. أنتم استغللتمونا، جوّعتم شعبكم ولم تثقّفوه، لتكبّلوه، لتجعلوه مخدّرًا، نائمًا وسجينًا في عالمكم الذي يشبه الزنزانة.

انطلقت ثورة النّاس، فدخل في صفوفها المشتّتون، الذين يحملون في رقابهم سكّين الزعيم. وجعلوا من الثورة خيانة للوطن. أينما دخلت السياسة يصبح المكان نجسًا. السياسة هي تركيبة لقتل الضعفاء ولبقاء الأقوياء الذين يتآمرون ويفعلون ما يريدونه بكم أيّها الشعب العنيد.

كانت ثورة الحرمان. كانت أصوات الحرية تصدح في كلّ مكان. كلّ يوم نعيشه في لبنان، هو ثورة. ثورة جسدنا على هذا الوضع الذي نعيشُه. من يبقى على قيدِ الحياة في هذا الوطن، هو بطل. نعم، بطل. نقاوم البطالة، المحاصصات، الفقر، غلاء الأسعار وفقدان النّاس لأموالهم. نقاوم باللحم الحيّ، لنعيش!

وصلنا إلى شفيرِ الهاوية. احترقنا من نار الخطابات التي تمهّد لمرحلةٍ أخرى. وصلنا إلى أن نكون تجارب لمن هم في السلطة، صرنا الذين ندمّر ونخرّب من أجل أشخاصٍ استلموا الحكم على جثث أجدادنا. نقوم بأعمالٍ لا نريدها لكنّ النبض الطائفي يشدّنا.

وصل الأمر بنا أن نفكّر في الهجرة. الهجرة صارت النافذة لنا على عالمٍ آخر. لم نعد نفكّر بثقلِ الهجرة وقسوتها. لم نعد نفكّر بعائلاتنا وأصدقائنا. صارت تطلعاتنا وأهدافنا أن نعيشَ فقط. أن نعيشَ في بلدٍ يحقّق لنا نصف أمالينا. أن نعيشَ في بلدٍ لا نُضرب فيه لأنّنا نرفض نهج حكومته. أن نعيشَ في بلدٍ لا نهمَّش فيه لأنّنا لا ننتمي لجماعةٍ ما.

الهجرة هي الحلّ. الهجرة هي ممرّ الظلام علّنا نجد النّور في آخره. ما أقسى الهجرة! ما أقسى أن تترك وطنك، شمسك، هواءك وتراب أرضك. الحياة قاسية هنا في لبنان. ولربّما الحياة وحيدًا في الهجرة أقسى، لكنّها أقل قساوة. في بلادِ الهجرة ستعمل وقد تحقّق القليل من أحلامِك، ولكن ستترك جزءًا منكَ في مسقط رأسك. لن تكون مكتملاً في بلادٍ ليست ببلادك، لكنّك على الأقلّ ستعيش.

إلى أمّي وإخوتي وأصدقائي وكلّ من أحبّ وكلّ قارئ وقارئة. الحياة قد تجبرنا أحيانًا على أن نخضعَ للألم، لكن علينا أن نواجهها بقوّة. نحن عشنا في خضوعٍ تام لشيءٍ لا يشبهنا. عشنا حياة لا نريدها. كلّنا في هذا الوطن ضحايا. ضحايا فكر، ضحايا الحرب الأهليّة وضحايا كلّ نقص في كلّ من يستلم شيئًا في دولتنا.

الحزن ليس لنا. نحن أحرار. نحن من ينعتوننا بصفة العيش المشترك. نحن مثقّفو الشرق. ليس علينا أن نموت في قهرنا. علينا المواجهة. الهجرة لن تكون المواجهة. الهجرة يمكن أن تكون المنفذ لنا من كلّ هذا، لكنّها لن تكون نهاية لأحزانِنا. قد نهاجر وقد لا. ومهما فعلنا سيبقى الوجع الذي حمّلنا إياه وطننا معنا دومًا وأبدًا. علينا بالثورة. نثور لنعيش. لنعيش على نبضِ الأحرار.

لن نهاجر ما دمنا أقوياء. لن نهاجر والحياة فينا. لن نهاجر ونترك أهلنا. لن نهاجر وندفن في ترابِ لم نلد منه.

سنبقى مع كلّ الألم !

يا بيوت الفاسدين، يا مال السّارقين، يا ضحكات المتآمرين، يا صفقات الكاذبين، يا كذب المسؤولين، يا نرجسية المتعالين، يا قساوة المخادعين، ويا أعمال قاتلة بغلافٍ من حياة، فلتختفي، فلتحترقي وتتعذّبي!

ولنبقَ نحن!

...

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard