ليس بالخبز وحده ولا بالسلاح يحيا الإنسان يا سيّد نصر الله

22 حزيران 2020 | 09:30

نصرالله في خطابه التلفزيوني (أ ف ب).

من المؤسف يا سيّد نصر الله ان تحذّر في خطابك الأخير من إحتمال وصولنا الى معادلة "الخبز في مقابل السلاح"، نتيجة ضغوط "قانون قيصر" على سوريا ولبنان. من المؤسف ان نكون بعد عشرين سنة على تحرير الجنوب من الإحتىلال الإسرائيلي، وبعد الإنتصارات التي لا تتوقف عن تعدادها والإحتفال بها، وبعد التأّكيد المتكرر ان محور المقاومة قد انتصر وانك ستطرد الأميركيين من المنطقة وستصلي قريبًا في القدس، من المؤسف بعد كل هذا ان نسمعك تطرح إمكان ان نصل الى معادلة "الخبز مقابل السلاح".

من المؤسف ان تجعلنا نفكّر انه قد يكون عليك ان تؤمّن الخبز مهما كان الثمن وإلاّ "سنقتلك ونقتلك ونقتلك"، من دون ان توضح لنا من هو هذا الذي ستقتله.

لا أعرف كيف يمكنك ان تفسّر هذه المفارقة، في اننا من جهة منتصر,ن، ومن جهة أخرى قد نتعرّض لما يشبه الخناق على أعناقنا.

ربما كان رأيك ان إنهيار البلد أضعَفَ من مناعتك، وربما أضفتَ ان لا علاقة لك بالإنهيار.

وجهة نظرك تقول "لقد تخلّيت عن المواقع والمسؤوليات ووزّعتها على الآخرين".

صحيح، لقد تركت لهم المواقع لكنك ابقيت السيطرة على الواقع، الذي كان لك الدور الأكبر في توجيه تطوّره منذ 7 أيار 2008 عندما احتلّت قواتك بيروت. كل المسار السياسي بعد هذا التاريخ كان إما بدفع منك وإما تحت مراقبتك.

هذا العهد الحالي هو عهدك. الرئيس عون كان مرفوضًا من جميع الكتل النيابية. مع ذلك، وبدفع منك، جرى إنتخابه رئيسًا للجمهوريّة مع ما استتبع ذلك من إستئثار جبران باسيل ومعاونيه بالسلطة.

أقرّ معك بأن الإنهيار الحالي لا يتحمّل مسؤوليته العهد وحده بل كل الطبقة السياسيّة التي حكمت، لكن ليس من سنة 1990 بل من سنة 1975. حليفك النظام السوري كان اللاعب الأكبر طوال هذه الفترة حتى إنسحابه من لبنان سنة 2005.

نعم، لا شكّ ان إنهيار البلد، أضعف قدرتك على التفاوض على المستوى الإقليمي والدولي ولا سيما بعد صدور "قانون قيصر". لكنك المسؤول الأول عن السياسة الإقليميّة والدولية التي كنت تحتكر التخطيط لها وتنفيذها. بهذا المعنى، ومن منظور المأزق الإقليمي والدولي الذي نحن فيه، لا يمكن ان نلوم إلاّ الذي أوصلنا الى هذه المعادلات الإقليميّة والدوليّة الخانقة.

ـتحذّر مَن يريد إيصالنا الى معادلة "الخبز مقابل السلاح"، لكنك إذا اردت ان تكون واقعيًّا يا سيّد نصر الله، فإن معظم شعبك يشعر بأنه وصل الى هذه المعادلة حيث تخطّت نسبة الفقراء الــ 50%، وذلك قبل البدء بتطبيق "قانون قيصر". لذلك ضاقت الناس ذرعًا بسلاح "حزب الله"، يا سيّد نصر الله، محمّلة إياه جزءًا كبيرًا من المسؤوليّة. فماذا نفعل بهذه الحالة، هل "نقتلهم ونقتلهم ونقتلهم"؟

لن يطمئنّ شعبك يا سيّد نصر الله إذا اكتفيت بالقول انك لن تدعه يجوع، في الوقت الذي يقف مذلولاً أمام المصارف ومحال الصيرفة للحصول على دولار واحد, في حين انك تتباهى أمامه بالقول انك تُدخِل الدولارات الى لبنان وإن جمهور المقاومة لن يتأثّر بالضغط الخارجي كباقي اللبنانيين، لأنك تدفع لهم بالدولار؟

إضافة الى أنك ، بدل التفاعل مع غضب شعبك تجاه تهريب خبزه ومازوته المدعوم الى سوريا، أبديت برودة حيال ذلك، مطالبا بضرورة التنسيق مع النظام السوري، وكأنك لا تبالي الا بمصير الاسد وليس بمصير شعبك.

مشكلة السلاح الذي تريدنا ان ندافع عنه، ليست بعديده ونوعيته، بل بهويته. لا أقصد منشأه الإيراني، بل كونه غيّر في وظيفته جذريًا إلى درجة ان هويته قد تغيّرت.

هوية هذا السلاح الاصلية هي في كونه أداة لمقاومة إسرائيل. لكنك استخدمتَه في الداخل اللبناني في 7 أيار 2008 وجعلتَ من التطورات السياسيّة اللاحقة تبقي نتائج إستخدامه. حتى ان مجيئك بالعهد الحالي رغم معارضة جميع الكتل السياسيّة، هو أيضًا بمثابة إستخدام لسلاحك في الداخل. أليس إستخداما لسلاحك في الداخل أيضا انك كنت تدعم ولا تزال جبران باسيل، في الوقت الذي تبيّن بشكل فاضح انه الشخصية السياسية الأكثر كرها من الشعب اللبناني ومن بينه مناصرون لك؟

لكن الكارثة الكبرى كانت في الذهاب بهذا السلاح للقتال في سوريا والدفاع عن نظام الأسد. كان سلاحك للدفاع وأصبح للهجوم يا سيد نصرالله، وهذا تغيير جوهري في هوية السلاح.

وفي حين كانت مواقف حزبك وسلوكه قبل التحرير بعيدة عن المذهبيّة، إتخذ إنغماسك في الحرب في سوريا بعدًا مذهبيًّا صارخًا. حتى ان مواقف الحزب وسلوكه على الأرض في لبنان لم تعد تخفِ الخلفيّة المذهبيّة. فكيف تفسّر مثلاً ان يواجَه مطلبُ تسليم سلاحك بـــإطلاق مناصريك هتاف "شيعة شيعة شيعة"؟ هل تحوّل سلاح المقاومة الى أداة مذهبيّة وتخلّى عن دوره الوطني؟

إذا لم تطرح على نفسك هذه الأسئلة يا سيّد نصر الله فلن يمكنك تفهّم رفض سلاحك من أكثر من نصف الشعب اللبناني.

لكن المشكلة مع سلاحك لا تقف عند هذا الحد. أهميّة سلاحك كانت في كونه وقف في وجه ظلم العدوّ الإسرائيلي وجرائمه، فكيف تريده ان يحافظ على هذه الصفة بعدما أصبحت وظيفته الدفاع عن نظام سوري مستبد يقترف الجرائم في حق شعبه؟

هنا نصل الى لبّ المشكلة معك ومع سلاحك يا سيّد نصر الله، ألا وهي الحريّة.

فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ولا بالسلاح، بل بالحريّة.

حريّة شعبك في التعبير عن رأيه وإختيار ممثليه بدون ترهيب فكري أو جسدي أو رمزي.

حريّة النقابات المكبّلة، التي يديرها اليوم، "الثنائي الشيعي"، والتي بدونها لا تأمين للخبز ولمعيشة لائقة لللبنانيين.

حريّة الإنتفاضة الملجومة، التي وقف حزبك ضدّها، والتي بدونها لن تغيّر السلطة سياساتها التجويعيّة تجاه شعبها.

الحريّة يا سيّد نصر الله ليست تفضيلاً ضائعًا بين الخبز والسلاح.

فهي شرط تأمين الخبز بعدالة. وهي الهدف من تحرير الأرض بالسلاح في مرحلة المقاومة. كما أن الحرص عليها هو الهدف أيضًا من إحتكار السلاح بيد الدولة بعد التحرير.

أنت بحاجة لأن تتصالح مع شعبك يا سيّد نصر الله. وشعبك بحاجة لأن يتصالح معك ومع سلاحك.

ولن يكون ذلك ممكنا بدون إستراتيجيا دفاعيّة تضعها الدولة وتنفّذها إذا إقتضى الأمر، ويكون "حزب الله" جزءًا من هذه الدولة التي من مسؤوليتها عندها ان تحميه في وجه كل معتدٍ أكان إسرائيل أم "قانون قيصر".

أما بعد، فإن أسوأ ما في السلاح يا سيد نصرالله، هو انه لا يقتل عدوّه فقط بل صاحبه أيضا.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard