إسرائيل والضمّ مستقبل بلا عنوان

21 حزيران 2020 | 09:56

غضب ليعود الحقّ (تعبيرية- أ ف ب).

يُعرف الضمّ بموجب القانون الدولي، بأنه استيلاء قسري لدولة ما على أراضي دولة أخرى. وقد يكون الضمّ فعلياً على أساس الأمر الواقع، أو بالإعلان الرسمي للضمّ، تمهيداً لبسط السيطرة بآليات قانونية، وكلاهما مدان ومرفوض، ويُعد انتهاكاً صريحاً للميثاق الدولي واتفاقيات جنيف. ويتعارض مع القاعدة الأساسية التي أكدها مجلس الأمن والجمعية العمومية من عدم جواز الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب أو القوة، كما ويمثل صورة بشعة من صور الفصل العنصري "الأبارتهايد" في القرن الحادي والعشرين .

وقبل الدخول في حيثيات هذا الموضوع، فإنني أرفض وأستغرب أي سردية تدّعي عدم وجود نية مسبقة لدى إسرائيل، للقيام بضم أراضٍ في الضفة الغربية. وكان الضم مدرجاً على أجندات جميع الحكومات الإسرائيلية، بدءاً من خطـة ألون عـام 1967، التي استهدفت إعادة رسم حدود إسرائيل لتشمل غور الأردن، مروراً بخطة دروبلس عــام 1978 للاستيلاء على أراضٍ في الضفـة الغربية المحتلة والمصنفة كأراضي دولة، وكذلك الأراضي غير المزروعة للحيلولة دون إقامة دولة فلسطينية.

وإمعاناً في الاستمرار في سياساتها التوسعية، مزجت إسرائيل بين السياسة والقانون، لإيجاد غطاء لانتهاكاتها في الضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس.

وتأسيساً على ما تقدم، واستناداً إليه، رفضت إسرائيل على الدوام تطبيق اتفاقيات جنيف، رغم العلم اليقيني بأن الاتفاقية تنطبق على الأراضي المحتلة، وحاول بعض القانونيين في إسرائيل تبرير ذلك بدون حق، وأطلقوا مصطلح المناطق المدارة على المناطق المحتلة.

لكن نقطة التحول الأساسية كانت في حكم المحكمة الإسرائيلية العليا في قضية مستوطنة ألون موريه عام 1979، ولم يخض الحكم في عدم قانونية وشرعية المستوطنات، لكنه رسم الحدود للاحتلال بخصوص الأماكن المسموح البناء عليها. فعلى الرغم من منع الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في نابلس، لبناء مستوطنة ألون موريه، لكنه لم يعارض البناء على أراضي الدولة في الضفة الغربية.

وحيث إن اسرائيل بارعة في اختراع الأساليب والحيل لمصادرة الأراضي الفلسطينية لدواع أمنية ولغير ذلك من أسباب، فقد استندت إلى حكم المحكمة لاقتراح قانون يقضي بتحويل الأراضي الزراعية التي لم تزرع لعدة سنوات إلى ملكية الدولة، واستولت بذلك على آلاف الدونمات من أصحابها الشرعيين.

ويظهر هذا الدور السلبي والخطير للمحكمة العليا بالنسبة للفلسطينيي.، فهي وإن كانت تقيّد أحياناً بعض إجراءات الحكومة، إلا أنها تدعم على الدوام مواقف الحكومة الاستيطانية وتبارك تقريبًا كل قراراتها الأمنية وتضفي عليها صبغة قانونية.

وعلى أرض الواقع، أصبحت السرقة سياسة إسرائيلية رسمية. وهذا ديدن حكام إسرائيل، حيث يقول نتنياهو: "عندما تبدأ حربًا عدوانية وتفقد الأرض، لا تعُدْ وتطالب بها لاحقًا، إن الأرض ملك لنا".

وفي هذا السياق يتماهى الموقف الأميركي بكل أبعاده مع الاحتلال الاسرائيلي، ما يشجع إسرائيل على المضي قدمًا في استراتيجية ضم الأراضي الفلسطينية بالقوة.

ويطيح هذا التماهي كل الأوهام التي تشكلت لدى بعض الأنظمة العربية والقيادة الفلسطينية لزمن، بأن أميركا وسيط محايد ونزيه في عملية السلام. وهي في الحقيقة شريك لإسرائيل في كل ما تقوم به من انتهاكات، وخصوصاً ترامب الذي يتعامل في الشؤون والعلاقات الدولية كرجل عقارات، ولا يرى في المنطقة سوى إسرائيل.

ومن غير المرجح على الصعيد العربي والإسلامي وحتى الدولي، أن تتطور المواقف الفاشلة والهزيلة من الإدانة والاستنكار، إلى خطوات عملية لمواجهة الضم. فمن لندن وباريس وبرلين، إلى القاهرة وعمان وأنقرة وطهران، تتوالى دوماً الإدانات ولا يمضي وقت حتى تخبو وتزول.

وهذا يبين مدى الفجوة بين التنظير والأقوال وانعدام وتراجع الأفعال. ونتيجة للسياسات العربية الفاشلة، لم تعد إسرائيل معنية بالمفاوضات. وأصبح همها الوحيد ضم مزيد من الأراضي، وبناء مزيد من المستعمرات لتهيئة بيئة طاردة للفلسطينيين من وطنهم، وتحقيق خرق في التعاون مع بعض الدول العربية، تمهيداً للتطبيع الكامل معها، والعمل على تصفية القضية الفلسطينية، والوصول إلى العمق العربي والهيمنة عليه اقتصادياً وسياسياً. وقد بدأت بالفعل في تنفيذ استراتيجيتها تحت شعار التعاون التكنولوجي والعلاقات الرياضية والثقافية مع بعض الدول.

ماذا بعد الضم؟

تكمن خطورة قرار الضم في تهديده مستقبل الدولة الفلسطينية، وتهديد وجود الشعب الفلسطيني على أرضه، ومنع الاتصال الجغرافي مع الأردن، ما يؤدي إلى خلق فوضى كبيرة في المنطقة.

ولهذه الأسباب، استخدم العاهل الأردني الملك عبدالله تعبيراً قوياً وهو الصدام، ما يثير تساؤلات ويعطي مؤشرات عن مستقبل العلاقات مع إسرائيل إذا ما نفذت خططها في ضم غور الأردن.

فهل سيوقف الأردن اتفاقية الغاز، وهل سيقوم الأردن بسحب السفير وإغلاق السفارة؟

وهل يمكن أن تتصاعد ردود الفعل، وخاصة الشعبية منها، إلى ما هو أبعد من ذلك؟ وهل يصل الأمر إلى إلغاء اتفاقية وادي عربة؟

على الصعيد الفلسطيني، هل يمكن أن تستغل حركتا حماس والجهاد موضوع الضم وتدخلان في مواجهة مباشرة مع إسرائيل؟

قد يكون هذا من ضمن السيناريوات المتوقعة. ولكن حصار غزة والظروف الصعبة لكل من حماس والجهاد تحول دون ذلك، ويبقى خيار المسيرات والتظاهرات الأسبوعية بشكل أشد وطأة مما كانت عليه، هو المطروح حالياً. ولا يٌستبعد أن تعمل حماس على إشعال الوضع في الضفة الغربية، في محاولة منها لتصدير الأزمة التي تعيشها في القطاع، لزيادة نفوذها في الضفة الغربية.

وأما السلطة الفلسطينية، وبعد أن صرّحت بأنها في حِلّ من الاتفاقيات، فلا تملك الكثير من الخيارات، وخصوصاً أنها محاصرة من الاحتلال في تحركاتها، ومقيدة في التحكم بقراراتها وإمكانية تنفيذها.

وسيكون أمامها اللجوء إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، ودعوة الأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة لحماية حقوق الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها الحق بتقرير المصير، ومواصلة مساعيها لدى المحكمة الجنائية الدولية لمساءلة الاحتلال عن جرائم الحرب التي يرتكبها، بما في ذلك جريمة ضم أراضي الغير بالقوة.

ويتبقى للسلطة إمكانية التلويح بانتفاضة ثالثة، رغم أن معرفتي بالرئيس محمود عباس وبراغماتيته، تجعلني أستبعد هكذا خيار.

وخلاصة القول، وفي مواجهة هذا الوضع الصعب، يتوجب على السلطة وجميع الفصائل والتنظيمات الفلسطينية، العمل وبسرعة على استعادة الوحدة الفلسطينية، وإنهاء الانقسام واقعاً لا قولاً، والعمل على إعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية، والتوافق على برنامج لمواجهة مخططات الضم الإسرائيلية، بما يشمل التحرك على الصعيدين العربي والدولي لحشد الدعم والتأييد للشعب الفلسطيني وتعزيز صموده على أرضه.

إن مرحلة ما بعد الضم ستكون بلا عنوان، ولا أحد يستطيع أن يحدد بدقة ملامحها، ويصعب التنبؤ والتخمين بما ستؤول إليه الأمور.

ورغم صعوبة الأوضاع ودقتها وتعقيدها، فإن التاريخ يثبت أن لا احتلال دائماً، وعندما تندلع نار الثورة والمقاومة فلا يمكن إطفاء جذوتها.

وبالرغم أن جميع المؤشرات تدل على صعوبة تغيير الوضع القائم، فإن إيمان الشعب الفلسطيني بعدالة قضيته وتضامن الشعوب العربية معه، سيحدث الفارق ولو بعد حين. ولا يمكن للشعوب أن تُهزَم، وإن طالت فترة معاناتها.

إن منطقة الشرق الأوسط غير مستقرة، ومفتوحة أمام لاعبين جدد قد يجدون التأييد من قطاعات كبيرة من الفلسطينيين، نتيجة لليأس وعدم وجود حلول سياسية سلمية، والشواهد على ما نقول كثيرة، والظروف التي أوجدت حماس والجهاد كفيلة بإيجاد لاعبين جدد.

ali.khashan@hotmail.com


أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard