جغرافيا كورونا وأخواتها

20 حزيران 2020 | 13:54

فريق طبي (ا ف ب)

مع إطلالة 2020، دخلت علينا السيدة #كورونا بصفتها العدو الصحي الجديد، لكن سرعان ما تغيرت الصفات بين التذكير والتأنيث بحسب طبيعة اللغات وقواعدها، وهنا لا تكمن اي مشكلة، فضحايا كورونا فاقت التوقعات الطبية ومناعة القطيع أو المناعة المجتمعية وحصدت الجائحة أرواح الذكور والإناث من الكبار والصغار ايضاً.

تعودنا أن تخرج علينا في الأزمات الدولية والإقليمية تفسيرات وتحليلات، منها ما هو الموضوعي والمنطقي، ومنها ما هو من سلالة الخزعبلات والشعوذة.

خرجت من رحم الجغرافيا نبرات صوتية مضطربة لا تعرف الحياء، تسعى الى القفز على العقول والنظريات والعلوم بشتى أنواعها، فالساحة الإعلامية، وتحديداً الالكترونية، باتت ساحة مفتوحة للصوت الجاهل بدلاً من العاقل!

بعد الشهور العلنية الأولى لجائحة كورونا، باتت هناك أخوة وأخوات لكورونا من بنات افكار اصحاب نظرية المؤامرة الكونية، وتنبؤات وتفسيرات مقبولة علمياً الى حد ما، وأخرى صوتية تحمل مزيجاً من الاعتقادات الواهمة والهزلية والفانتازيا في السياسة والطب والاجتماع والإعلام في آن واحد!

انتشر كثير من التحليلات الصوتية التي اخترقت الفضاء الالكتروني بسهولة شديدة، نتيجة فراغ وتعطش بشري مضنٍ لمعلومات عن عدو فيروسي يتغير ويتحور بطبيعته وسرعته في ظل غياب توافق لرؤى طبية واحدة، بسبب تأثير المناخ السياسي العالمي والصحي، فقد ساد المشهد الاعلامي تضارب وتناقض في الآراء والمواقف العلمية والصحية!

منظمة الصحة العالمية WHO التي تعتبر مرجعاً دولياً للبحوث وقاعدة للبيانات الصحية، حملت تصريحات بعضها متناقض، والبعض الاخر مثير للجدل ليس – طبعاً - بسبب موقف الرئيس الاميركي ترامب من المنظمة، فهو صاحب الإثارة في كافة الاتجاهات والمناسبات، وإنما بسبب تصريحات متسرعة وغير مدروسة علمياً من المنظمة ذاتها.

فهناك من عبر عن كورونا بأنه وباء "ابدي" أي بلا نهاية، فيما ركز أطراف آخرون على أهمية ان يكون اللقاح متوافراً للكل وبقيمة غير مبالغ فيها، بينما اللقاح أي المصل، لم يثبت أساساً مصدره وطبيعته، فالبحوث والاختبارات العالمية ما زالت في سباق نحو التوصل الى تركيبة علمية للقاح فعال عالمي قبل تحديد المصدر أي المنشأ كبلد او اكثر من جهة.

إن صحت الترجمة عما نقل أخيراً لتصريح رسمي للمنظمة، بوجوب غسل الماء في حقبة كورونا، أخشى ان يتلقف الرئيس الاميركي ترامب هذا التصريح ضد رئيس المنظمة شخصيا في تحقيق الهدف (الترامبي) في إسدال الستار على مستقبل المنظمة قبل رئيسها.

في خضم كل هذه الظروف والتعقيدات اليومية التي تشهدها جغرافيا العالم، عبر بعض الاطباء والخبراء في علوم الفيروسات الكترونياً عن آراء صوتية تتلاقى مع نظرية المؤامرة الكونية، فيما حمل البعض الآخر جرعات تشاؤم من دون مبرر علمي!

فالقاعدة العلمية للبحوث لها متطلبات وأسس لا يمكن ان تتوافر بهذه السرعة التي صاحبت الخزعبلات والشعوذة الالكترونية!

إن البحوث الحديثة لا يمكن ان تولد بين ليلة وضحاها اي بين شهور منذ تفشي الجائحة، فالدراسات الرصينة تستوجب توافر قاعدة بيانات واسعة من اجل تحليلها علميا، مقارنة بما هو متوافر على الساحة الطبية والصحية من بحوث ودراسات، وهو ما غاب عن كثير من الاقوال والاجتهادات المبنية على بيانات غير حديثة.

في الضفة الثانية، برزت تساؤلات مشروعة تتعلق بالأوبئة القاتلة الاخرى من أسرة او أقارب كورونا التي حصدت بشراسة اعداداً هائلة من شعوب افريقيا الفقيرة، بينما ظل الحال على ما هو عليه هناك، من دون تغيير، بينما استنفرت سلالة #كوفيد_19 جغرافيا العالم بشكل مفزع طبياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً واعلامياً.

كورونا قادت الى هلع عالمي، بينما أخوتها وأقاربها من الاوبئة والجوع والفقر ايضا في افريقيا لم تتمكن من حصد نفس الاهتمام، وهو ما يبرر اليوم الى حد كبير، طوفان ردود الفعل السلبية بسبب طبيعة التمييز الجغرافي العالمي بين كورونا وأسرتها الفيروسية وجيرانها من الجوع والفقر.

بدا واضحاً أن هناك اندفاعاً محموماً من شتى الاطراف نحو ترجيح رأي على الأخر، وهو ما يضع وسائل الاعلام المختلفة امام تحدٍ جديد من الصدقية وعدم اثارة الفزع بين الناس اكثر مما هو عليه، بسبب بروز هوس بشري للمتابعة الإعلامية المفاجئة من جهة، واندفاع بعض وسائل الاعلام نحو ملء الفراغ البشري بسبب الحظر وتداعياته من جهة ثانية.

أخشى ان يخرج تعريف جديد للخبر الصحافي ينافس التقليدي، وفيه عض الإنسان للكلب وليس العكس، بحيث ينحصر الخبر في سؤال؛ هل أفريقيا قبل كورونا أم كورونا قبل افريقيا؟!

K.altarrah@ymail.com

Twitter: @kaltarrah

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard