يوم كان في لبنان مصارف!

20 حزيران 2020 | 11:16

مصرف لبنان (تصوير مروان عساف)

شكّل القطاع المصرفي اللبناني على مدى سنوات طويلة ظاهرة فريدة وكان رائداً من رواد هذه الصناعة في العالم. فحتى أواخر 2019 وصلت موجودات المصارف اللبنانية الى أكثر من 200 مليار دولار أي ما يعادل 4 أضعاف الناتج المحلي اللبناني، وهذا رقم ضخم يظهر قوة ومتانة وعراقة هذا القطاع الذي يتألف من 62 مصرفاً وأكثر من 1000 فرع، إضافة إلى انتشار 16 من هذه المصارف بأكثر من 30 دولة عربية وأجنبية منها على سبيل المثال لندن والنمسا ولوكسمبورغ وجنيف وقبرص وسوريا والإمارات والعراق وسواها. وطبعاً، فإن هذه الانطلاقة ترافقت مع اعتماد المصارف اللبنانية لأحدث النظم والمعايير التكنولوجية على مستوى العالم إضافة الى الخبرات العالية في صناعة الصيرفة، ولا ننسى أيضاً قانون السرية المصرفية الذي شكل عامل جذب للعديد من رؤوس الأموال المحلية والاغترابية والعربية وحتى العالمية، حتى وصلت الودائع في البنوك اللبنانية الى نحو 170 مليار دولار أواخر 2019. وهكذا شكل القطاع المصرفي العمود الفقري للاقتصادي اللبناني، وعاش لبنان واللبنانيون في بحبوحة وعلى مدى سنوات طويلة.

خلف الكواليس

هذا الواقع قد يبدو مثالياً للوهلة الأولى، لكن إذا دققنا قليلاً نجد أن الثغرات كانت تنخر بهذا القطاع المتميّز منذ فترة طويلة وصولاً الى ثورة 17 تشرين التي فجرت الأزمة المالية والمصرفية.

خسائر وتدهور القطاع المصرفي

في البداية لا بدّ من الاعتراف بأن لبّ المشكلة هو أن المصارف سلّفت الدولة المتعثرة والفاسدة أكثر من 70% من أصولها عبر سندات الخزينة وشهادات الإيداع والأوروبوند، وهذه التسليفات زادت وتيرتها في 2016 مع إطلاق حاكم مصرف لبنان للهندسات المالية التي حققت للمصارف أرباحاً خيالية، بينما أثقلت كاهل المصرف المركزي، فيما الدولة تصرف وتتبحبح على تمويل الفساد بدلاً من تمويل الاقتصاد والمشاريع الإنمائية. وللأسف، فإن هذه السياسة التي اعتمدتها المصارف بتوجيه أغلب استثماراتها نحو زبون واحد هو الدولة اللبنانية كانت وحدها كافية لانهيار القطاع الذي ضرب بعرض الحائط معايير بازل وIFRS9، وقانون إدارة المخاطر. فكيف إذا أضفنا اليها سلسلة من المشاكل والتحديات كان أولها تخفيض تصنيف البلد من الوكالات العالمية، مما أدى تلقائياً الى تخفيض تصنيف المصارف التي أصبحت تواجه صعوبات في فتح الاعتمادات مع المصارف المراسلة، وتالياً شهدنا إقبالاً على سحب الودائع وتخزينها في المنازل تحسباً لأي انهيار مالي في البلد، وهذه كانت الشرارة الأولى في رحلة الانهيار. وأتت بعدها ثورة 17 تشرين التي أدت الى حالة من الهلع والهجوم الكبير على سحب الودائع الأمر الذي أوقد أزمة سيولة كبيرة في المصارف. وتتالت المصائب بإعلان الحكومة التوقف عن دفع سندات "الأوروبوند" وتالياً تراجع قيمة هذه السندات الى أكثر من 85%. من ثم أتت جائحة كورونا لتزيد الطين بلّة حيث أدى الإغلاق التام لكافة المرافق الى زلزلة الاقتصاد وإفلاس الشركات، وفقدان نحو 50% من القوى العاملة لوظائفهم، وهنا ظهرت أزمة القروض المتعثرة. وكل ذلك في ظل أجواء إقتصادية وسياسية غير مستقرة محلياً وإقليمياً وعالمياً.

وصولاً الى الإفلاس

واليوم شئنا أم أبينا نحن أمام قطاعٍ مصرفي مفلس في لبنان. فإذا جمعنا الـ 8 مليارات دولار خسائر المصارف من سندات الأوروبوند، مع الـ 12 مليار دولار خسائر القروض المتعثرة، نحصل على مجموع 20 مليار دولار، وهذه خسائر مباشرة، والمصارف مضطرة أن تغطيها من رؤوس أموالها التي تصل تماماً الى هذا الرقم أي 20 مليار دولار.

خسائر المركزي

أما المصرف المركزي فكان أيضاً يتلألأ من الخارج، بينما في الداخل كانت تحصل أمورٌ غريبة وغير مبررة. ففي حين كنا نرى الحاكم رياض سلامة يستلم الجوائز العالمية، ويتوج كأحد أفضل حكام المصارف المركزية، ويخطط لإطلاق السلل التحفيزية للمشاريع الإنتاجية والسكنية التي تساهم في دعم الاقتصاد، وكلنا فخورون بإنجازاته التي رفعت اسم لبنان عالياً وعوضت جزءاً مما أفقدتنا إياه الحكومات المتعاقبة، كانت خلف تلك الصورة المشعة تحاك الهندسات المالية التي لم توفّر باباً لجذب الودائع خصوصاً من الخارج وبأي ثمن لتمويل الحكومة المفلسة. وهذه الطبخة، طبخها الحاكم مع المصارف التي بذلت أعلى ما في جهدها لتوفير الأموال للمركزي وقبضت عليها فوائد خيالية، فيما المصرف المركزي يدفع الثمن من ميزانيته، وأما الدولة فتصرف القروش على الأساسيات والمليارات على صفقات الفساد والمحاصصة. والسؤال هنا، أمام هذه المخاطر العالية والواضحة كنور الشمس، هل كانت المصارف والمصرف المركزي مضطرة للدخول بهذه الهندسات أم أن الطمع أعمى قلوبها؟

المودع... الخاسر الأكبر

في كلتا الحالتين الخاسر الأكبر أو بالأحرى الخاسر الوحيد هو المودع، الذي حُجزت أمواله في المصارف، بانتظار معرفة مصيرها النهائي من السيناريوات العدّة المطروحة من تحويل الودائع بالدولار الى العملة المحلية، الى تطبيق "الكابيتال كونترول" الى الهيركات أو الـ Bail In، وسواها. وهنا نقسم المودعين الى قسمين:

- كبار المودعين الذين طمعوا بالفوائد العالية ووجدوا فيها فرصة استثمارية لا تعوض، وحولوا أغلب أموالهم الى لبنان، رغم علمهم أنه كلما زادت العوائد، ارتفعت معها المخاطر، وهؤلاء ربحوا أموالاً ضخمة من الفوائد، ولكنهم رغم كل شيء لا يلامون أبداً.

- صغار المودعين من موظفين ومتقاعدين ممن ليس لديهم أي أهداف استثمارية، ولكن يودعون أموالهم في المصارف بحكم العادة، وطبعاً كانوا سعداء بالفوائد العالية على أموالهم القليلة والمتوسطة.

أما المصارف رغم خسائرها المعلنة اليوم، فإنها حققت في السابق أرباحاً بمئات الأضعاف وقام المستثمرون فيها بتحويل معظم أرباحهم الى الخارج. بينما الدولة أو بالأحرى المتحكمون بمفاصل الدولة منذ 92 وحتى اليوم، فهم الذين أوصلوا البلد الى الإفلاس بالتعاون مع حاكمية مصرف لبنان، وليس المودع اليوم من أولى أساسياتهم. مع العلم أن معركة توزيع الخسائر بدأت تحتدم بين الحكومة التي حددتها بنحو 241 تريليون ليرة، فيما حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف يقولون إن الخسائر لا تتعدى الـ 104 تريليون ليرة.

الحلول المطروحة

الدمج: هذه الفكرة سبقت أن طرحتها الولايات المتحدة على حاكم مصرف لبنان منذ حوالى الـ 3 سنوات لتخفيض عدد المصارف الى 25 كحد أقصى. واليوم من الضروري أن تطبق هذه الفكرة لتحسين سيولة المصارف، على الرغم من العوائق التي قد تواجهها لأن اغلب المصارف عائلية ولا يمكن إلزامها على الدمج.

زيادة رؤوس أموال المصارف: حيث على أصحاب المصارف أن يأتوا ببعض أموالهم من الخارج لإعادة تعزيز رؤوس أموالهم، الفكرة التي يتجنبها كثيرون.

إعادة الثقة بالقطاع المصرفي: لإعادة جذب أموال المغتربين.

مصادرة الأموال المنهوبة: التي ما زالت ضمن القطاع المصرفي اللبناني والتي تصل الى حوالى 6 مليارات دولار.

إعادة جدولة القروض المتعثرة: بكل أنواعها ومعالجتها ضمن خطط اقتصادية واستثمارية متكاملة، حتى لا تسجل كخسائر مبعثرة على المصارف.

Bail In: أو تحويل أموال المودعين الى أسهم في المصارف.

إنشاء صندوق سيادي من ممتلكات الدولة: ونحن من أشد المعارضين لهذه الفكرة، لأن هذه الممتلكات هي أصلاً ملك الشعب اللبناني وليست ملك الدولة، ولا يمكن بأي طريقة رهنها للمصارف.

مع العلم أننا نعمل شخصياً على صياغة حل مبتكر سوف نتكلم عنه في الإعلام عندما يصبح ناجزاً.

وفي النهاية نحن بحاجة الى كل الخطوات التي تساعد في إعادة رسملة القطاع المصرفي الذي يعتبر العمود الفقري للإقتصاد اللبناني. ونجاة هذا القطاع اليوم هي نجاة لأموال المودعين أولاً، على أمل أن نغيّر في لبنان استراتيجيتنا الاقتصادية ويصبح القطاع المصرفي هو الداعم الأساسي للإنتاج المبني على الزراعة والصناعة وليس الداعم للاقتصاد الريعي الذي أوصلنا الى ما نحن عليه اليوم، والذي اذا استمررنا به ستتبخر ليس فقط أموال المودعين بل الاحتياطي من الذهب والمؤسسات الحكومية، وباتجاه مستقبل قاتم السواد.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard