طوابير "الذّل" على أبواب الصيارفة... شراء الدولار بين التجارة والحاجة (بالصور)

19 حزيران 2020 | 19:15

المصدر: "النهار"

تجمع أمام محل صيرفة في الضاحية الجنوبية في الغبيري تحديداً اليوم. (تصوير نبيل إسماعيل).

مشهدٌ لم يمرّ على لبنان حتى في الحرب الأهلية وأمام الأفران، فطوابير المواطنين أمام محلات الصيرفة لشراء 200 دولار، بسعر الصرف الذي حدده مصرف لبنان له عشرات المعاني والخلفيات، إلا أن الأكيد أنه يعكس صورة الأزمة المالية والاقتصادية الخطيرة التي يعيشها البلد ومواطنوه.

بعد أزمة شحّ الدولار وارتفاع سعره وتجاوزه عتبة 5500 ليرة، اتخذت الحكومة قرار ضخ الدولارات إلى السوق في محاولة لخفض سعره، وبالفعل بدأ المصرف المركزي بذلك، من خلال تسليم الصيارفة (من الفئة الأولى) الدولار، على أن يقوموا ببيعه إلى المستوردين بعد إظهار أوراقهم الثبوتية، وكذلك إلى الأفراد حيث يحق لهم شراء 200 دولار شهرياً بعد إظهار هويتهم اللبنانية.

تجمع أمام محل صيرفة في الضاحية الجنوبية في الغبيري تحديداً اليوم. (تصوير نبيل إسماعيل).

سوق سوداء جديدة

كان الهدف من خطوة الحكومة ومصرف لبنان ضخ سيولة تلبي حاجة السوق في المرحلة الأولى، دَفْعَ المواطنين إلى شراء الدولار من الصيارفة المرخصين والقضاء على السوق السوداء، إلا أن ما يحصل على أبواب الصيارفة لم يخطر على بال أحد، حيث تهافت عدد كبير من المواطنين لشراء الدولار على سعر الصرف الذي حدده مصرف لبنان ليبيعوه في السوق السوداء مستحصلين على ربح يزيد على 200 ألف ليرة في العملية.

وبما أن تنظيم بيع الدولار من خلال المنصة الإلكترونية لن يحصل قبل 23 من الشهر الحالي، فإن المواطنين يستفيدون من عدم التنظيم بشرائهم الدولار كلما تسنى لهم ذلك، لا بل إن سوقاً سوداء جديدة ظهرت من خلال إعطاء سماسرة لمواطنين لا يملكون المبلغ المطلوب وهو حوالي 784 ألف ليرة لشراء 200 دولار، ودفعهم إلى الانتظار بالطابور مقابل الحصول على 50 ألف ليرة، كما أن البعض يجمع هوّيات أقاربه ومعارفه ويقصد الصراف للحصول على الدولار ومن ثم بيعه في السوق السوداء، مقابل إعطاء صاحب كل هوية استفاد منها، مبلغاً من المال.

تجمع أمام محل صيرفة في الضاحية الجنوبية في الغبيري تحديداً اليوم. (تصوير نبيل إسماعيل).

فوضى رغم التنظيم

محلات الصيرفة في منطقة الغبيري لفتت الأنظار بالطوابير التي تتجمع يومياً أمامها بانتظار شراء الدولار، وقد حصلت إشكالات عدة بين الشبان المنتظرين دورهم لساعات، على الرغم من أن الصيارفة بدأوا منذ الأمس تنظيم عملية البيع من خلال توزيع أرقام على الزبائن. وعن الفوضى الحاصلة أكد أحد الصيارفة لـ"النهار" أن "سببها عدم انضباط الزبائن وعدم التزامهم بالنظام، على الرغم من قيامنا بكل ما في وسعنا، إنما للأسف ما زلنا نشهد الصورة التي لا تعكس حضارة الشعب اللبناني"، وأضاف: "ما يحصل بغالبيته ليس بسبب حاجة الناس للدولار بل لبيعه وتحقيق الأرباح، والمتضرر الأكبر هم مستوردو المواد الغذائية الذين عليهم الانتظار مثل بقية الأفراد للحصول على مطلبهم".

وأكمل: "بعد أن باع محل مراد للصيرفة ألفي زبون في اليوم الاول والثاني من ضخ الدولار، ما يعني 4000 شخص حصل كل منهم على 200 دولار، اضطر الى إغلاق المحل بسبب الفوضى العارمة والإشكال الذي حصل بالسكاكين بين الزبائن، وليس كما تداول البعض بسبب رفضه بيع الناس"، شارحاً: "هناك سماسرة يقفون بعيداً من محلات الصيرفة، يعطون بعض الشبان المال لشراء 200 دولار مقابل إعطائهم 50 ألف ليرة عن كل عملية، فالأمر أصبح تجارة لدى البعض، والخاسر الأكبر من كل ما يحصل هم المستوردون الذين اتُخذت خطوة ضخ الدولار من أجل تسيير أمورهم".

سوق سوداء

لكن من يشتري الدولار بسعر مرتفع من السوق السوداء؟ عن ذلك أكد أحد الصرافين العاملين في هذا السوق لـ"النهار" أن "عدداً كبيراً من التجار مضطرون إلى ذلك، كما أن عدداً كبيراً من المواطنين لديهم التزامات تدفعهم إلى شرائه". وعن الأرباح التي يحققها، قال: "أشتري الدولار من المواطنين الذين بالتأكيد لن يبيعوه الى صراف مرخص بالسعر الذي حدده المصرف المركزي، لأعاود بيعه الى الزبائن بسعر أعلى بنحو 300 ليرة للدولار الواحد"، وعن مدى استفادته من ضخ الدولار بالسوق، أجاب: "بالتأكيد أصبح بإمكاني ان أحصل على الدولار بسعر منخفض اكثر لأعاود بيعه بسعر مرتفع". وعما إن كان يخشى توقيفه من قبل الأمن، أجاب: "آخذ احتياطاتي، لا أحمل مبلغاً كبيراً من الدولارات معي، ومعظم زبائني على معرفة مسبقة بهم".

تجمع أمام محل صيرفة في الضاحية الجنوبية في الغبيري تحديداً اليوم. (تصوير نبيل إسماعيل).

تعدّد الأهداف

أمام محل حلاوة للصيرفة، وقف حسن تحت أشعة الشمس منتظراً دوره، وقال لـ"النهار": "منذ الصباح الباكر حضرت، وما زلت أنتظر الفرج، لا يهم كم من الوقت سأنتظر، ففي النهاية هدفي شراء الدولار وبيعه في السوق السوداء وتحقيق ربح 200 ألف ليرة، فأنا عاطل عن العمل وأحتاج الى كل ليرة"، وأضاف: "سأقصد يومياً محلات الصيرفة وأكرر العملية، أعتبر نفسي في دوام عمل، وآخذ بدل مجهودي حين أنتهي من المهمة".

كذلك، وقفت سعاد وقد أنهكها التعب، والغصة خنقت صوتها قائلة: "هذا ما جنته الدولة علينا، لم نتوقع أن نصل يوماً إلى هنا"، وأضافت: "أحتاج إلى الدولار ليس لأبيعه كما يفعل العدد الأكبر من المواطنين، بل من أجل أن أؤمّن جزءاً من راتب عاملة المنزل لدي، لكن للأسف ها نحن نُذَلّ للحصول على 200 دولار"، وأضافت: "صُرفت من عملي بسبب الوضع الاقتصادي، وانقلبت حياتي رأساً على عقب ومع ذلك نحاول أن نقاوم على أمل أن ينتهي الكابوس الذي نعيشه سريعاً ونعود إلى ما كنا عليه".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard