الهايكينغ: حياة أخرى للجوّالين... متعة ومعرفة وطرد الاكتئاب

19 حزيران 2020 | 16:37

المصدر: "النهار"

"كثيرون لا يعرفون غنى هذا البلد".

تتوسع مبادرات السياحة الداخلية في لبنان عبر ما بات يُعرف برحلات المشي الطويلة على الأقدام، أو "الهايكينغ"، ويجد كثيرون في هذا النشاط متعة عالية من الترفيه عن النفس، والتريّض البديل من القاعات المغلقة، أو الملاعب غير المتوافرة، كما تؤمّن تواصلاً وتفاعلاً مع الطبيعة لما فيها من غنى وتنوع، خصوصاً في بلد كلبنان، فصوله أربعة، وطبيعته متلاصقة بين جبل وساحل، وفيه التزلج الثلجي إلى جانب التزلج المائي، يمارسه الهواة في الموسم عينه أحياناً.

ينضم عشرات من الأشخاص في خط سير يحدّده هواة خبروا الطرقات والدروب والمسارات التي عليهم أن يقطعوا واحدا منها كل مرة، ومنهم من ينتظم في مسار أسبوعي، حيث وجدوا في المسارات متعة تغني عن الكثير من أنشطة الرفاهية على المستويات الأخرى، ويجرون مساراتهم في مختلف الفصول، شتاء وصحواً، وفي مختلف الأوقات، نهاراً وليلاً، يحققون المتعة التي يوفرها كل ظرف من الظروف.

من المجموعات، مسار ما يعرف بـ"Wild Adventures" المنطلق مع مؤسسه قاسم حمادة في نطاق قضاء جبيل، لكن حركته تشمل مختلف المناطق اللبنانية.

يفيد حمادة "النهار" أن فريقه تأسس منذ سبع سنوات، وتحديداً سنة 2014، وقال إن "الهايكينغ، كسياحة داخلية، لها نشاطاتها الخاصة كالتخييم، والسير بالدراجات، ونشاطات مختلفة، وتستمر على مدار السنة، وخصوصاً في العطل، إضافة إلى سفرات خارج لبنان تعتمد على اكتشاف بلدان جديدة. ومجموعتنا تتألف ما بين 10 و30 شخصاً، ويعتمد ذلك على رغبة الأفراد بالمشاركة في كل أسبوع، وتعتمد على تعاون المجتمعات المحلية، كما نعتمد في تمويننا على المنتجات المحلية في القرى، وبذلك نشجع الإنتاج المحلي".

ولفت إلى أن "الهايكينغ كان موجوداً في لبنان منذ السبعينيات كمجموعة صغيرة لم تكن مشهورة، حيث لم يكن هناك ثورة تكنولوجية مثل الآن تروج لكل نشاط لحظة بلحظة، ثم نشطت أكثر مع دخول الإنترنت، وشهدت تطوراً سنة 2007 عندما تأسست "جمعية درب جبل لبنان" التي أرست قواعد الهايكينغ. ثم توزعت في لبنان عبر 26 "درباً"، ما انعكس إيجاباً على السياحة الداخلية في لبنان".

وذكر أن "الجمعية تخصص شهراً سنوياً ليمشي نشطاؤها في الدرب الذي يحددون كل مرة، لفترة ثلاثين يوماً، ويستقطبون من خلالها مشاركين من كل دول العالم، ومؤخراً صنفت مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" لبنان كواحد من أهم عشر دول فيها هذا الدرب، ناصحة المشاركة فيه".

وبات من الشائع أن يسمع المرء عن "الهايكينغ" في لبنان في الآونة الأخيرة، لأنه انتشر بعدة فرق، دون أن تتضح حركته إلا من قبل المشاركين فيه، أما سبب انتشاره فيعود إلى الناس الذين بدأوا يتوجهون أكثر نحو الطبيعة بعد بلوغ الازدحام والتلوث مراحل لم تعد محمولة.

ويفيد حمادة عن الهايكينغ الذي "تنشط بسبب غنى لبنان، وطبيعته، وما يحتويه من كنوز طبيعية وبيئية مثل الشلالات، والأنهار، والمحميات الطبيعية المتنوعة، والمعالم الطبيعية الرائعة، يساعد في ذلك طبيعة السير على الأقدام لسبع ساعات أو أكثر أحياناً، وهذا لا تؤمّنه النقليات بالسيارة؛ والرواد الجدد، عبر انضمامهم، يتعرفون إلى غابات جميلة ونادرة، ومتنوعة، مثل غابة جبال الباروك، ومحمية أهدن، وكرم شباط، والقموعة، وكثير غيرها، ومواقع هامة كوادي قاديشا الذي وضع على لائحة التراث العالم لما يحتويه من معالم دينية، في وادٍ من أجمل الوديان يقع بين بشري وإهدن".

في لبنان، في مساحة العشرة آلاف كيلومتر مربع، كثيرون لا يعرفون غنى هذا البلد، بحسب حمادة، مضيفاً أن "الهايكينغ جاء ليعرِّف إليها، ويكشف للكثيرين عنها، وعن أهميتها، خصوصاً للمنضمين الجدد الذين لم يعرفوا بها سابقاً"، وتوقع حمادة أن "ينشط الهايكينغ أكثر في المرحلة المقبلة، خصوصاً بسبب الوضع الاقتصادي الذي يلقي بثقله على كاهل المواطنين".

من فوائد الهايكينغ أيضاً بالإضافة للصحة البدنية، الصحة النفسية، فـ"اللياقة البدنية مهمة، وتنعكس إيجاباً على الصحة النفسية، ففي المدن المزدحمة، تتوافر أسباب الاكتئاب، والطبيعة هي العلاج الطبيعي له، وفي لبنان كثيرون يعانون الاكتئاب بسبب السكن المكتظ، والحياة القلقة، فالهايكينغ يؤمّن طاقة إيجابية يتغلب الانسان بها على الضغوط اليومية في الظروف التي نعيش"، بحسب حمادة.

ومن إيجابيات الهايكينغ، يقول: "بحسب تجربتنا، يساهم بطريقة غير مباشرة بكسر الجليد ما بين الأفراد ضمن المجتمع، ويترجَم ذلك أسبوعياً عندما يحضر أشخاص من كل المناطق والطوائف، يتوحدون في مناخ واحد، ومسار واحد، ويتفاعلون ويتآلفون مع بعضهم، تجمعهم مُتع الطبيعة والتجول، فبذلك يعاد دمج الناس، ويتقرّب الأفراد بعضهم من البعض، من مناطق مختلفة في إطار جديد".

مسار بقاعتوتا

آخر مسار هايكينغ قامت به مجموعة "Wild Adventures" كان في بسكنتا- المتن، وأفاد حمادة أنه "قصد شلالات بقاعتوتا، وهناك واد جميل وعميق، وفيه كثافة أشجار، وهو مدهش وغير معروف، ودرب وعر، والشلالات تتشكل فيه من ذوبان الثلوج في أعالي صنين".

طول المسار 7 كيلومتر، وأجرت بلدية بسكنتا تسهيلات عليه، مثل مدّ جسور خشبية فوق مجرى النهر لتسهيل عبوره، ويقول حمادة: "تبين لنا أنه يمكن وصله بمسارات أخرى، وقد شارك أربعون شخصاً من مجموعتنا، بينما تواجد أكثر من ثلاثماية شخص من مجموعات أخرى قصدت الموقع نظراً لجماله وشهرته الإعلامية".

ولفت حمادة إلى أن "البلديات عملت على كشف النقاب عن مسارات جديدة لِما رأت في ذلك من أهمية، ومنفعة عامة، وحركة سياحية ضمن البلدات، تعزز السياحة الداخلية".

شهد المسار تفاعلاً بين أفراد المجموعة، ومع المجموعات الأخرى، في أجواء جامعة، وراقية، والحركة بصورة عامة، تسلط الضوء على هذه المواقع الجميلة، وتعرِّف بها، كما تعرِّف على إنتاج البلدات والقرى بحيث يمكن ترويجها لدى الراغبين، بالإضافة إلى فوائد كثيرة لا تحصى، ختم حمادة معرباً عن ارتياحه بتطور مسارات، وبروز فوائدها الكثيرة.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard