تحييد القضاء أولويّة في الحرب ضدّ الفساد

16 حزيران 2020 | 17:50

من اعتصامات الحراك امام قصر العدل.

يُعتبر القضاء الركن الأساسي لأي دولة، حيث تُعتبر استقلاليته شرطاً أساسياً لإحلال العدالة في المجتمع وحماية حقوق المواطن. وبدونه تكون حياة المواطن عرضة للانتهاك من الآخرين والتي تتمثل بالسلطة التشريعية والتنفيذية، وأيضاً من خلال المتنفّذين والمستغلين لمناصبهم داخل الحكومة لخدمة مصالحهم.

إنّ الدستور اللبناني هو النص الأساسي الذي يحدد عمل النظام القضائي، إذ تنص الفقرة الخامسة من مقدمة الدستور على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها. وبذلك، فإنّ الدستور يكرّس من حيث المبدأ التوازن بين السلطات الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية، ويرفض هيمنة إحداها على الأخرى.

وتؤكد أحكام الدستور اللبناني في مجملها على الحق في التقاضي واللجوء الفعال أمام المحاكم. فالدستور هو إذاً، متوافق نظرياً مع المعايير الدولية. لكن في الممارسة، فإنّ عمل النظام القضائي هو ضحية التدخلات والتجاوزات المستمرة للسلطتين التشريعية والتنفيذية. فالقضاء اللبناني يعاني من خروق منتظمة لمبدأ فصل السلطات من خلال تدخل السياسة والسياسيين في شؤونه، تماماً كما يحدث في مرسوم "التشكيلات القضائية" حيث تغيب الشفافية والموضوعية في عملية تعيين القضاة، بحيث يصبح القاضي غير مستقل بل تابعاً لجهة يقوم بخدمة مصالحها.

ملف الفيول المغشوش مثال على ذلك، والذي أخذ حيزاً كبيراً في الآونه الأخيرة من يوميات المجتمع في محاربة الفساد والطبقة السياسية الفاسدة. الملف تمت إحالته في البداية للنيابة العامة المالية التي من اختصاصها التحقيق في قضايا الفساد المالي والاقتصادي للدولة؛ وتولى المدعي العام المالي علي إبرهيم الملف والتحقيق حول شحنات الفيول المستوردة وغير المطابقه للمعايير المتفق عليها من خلال عقد بين وزارة الطاقة اللبنانية وشركة سوناطراك الجزائرية؛ وبعد التحقيقات التي تم إجراؤها توصل إبرهيم إلى أن الخطأ التقني وارد ويُمكن أن يصيب أي شحنة نفط قادمة إلى لبنان، فلم يحمّل أي جهة مسؤولية الضّرر وتمت تسوية الملف عن طريق استبدال الفيول المتضرر بشحنة أخرى مطابقة للشروط والمواصفات، وبدون تكبيد الدولة أي فارق مادي عن الشحنة الأولى.  

ولكن في خطوة لاحقة أُعيد فتح التحقيق حول الملف من قبل النيابة العامة في جبل لبنان، حيث تولى التحقيق المدعي العام القاضية غادة عون وقاضي التحقيق نقولا منصور، متجاوزَين لصلاحيتهما واختصاصهما، وممارسة الإقصاء لإطراف معينة ضد آخرى، ما يثير الشكوك حول موضوعية فتح الملف والطريقة التي يتم التحقيق بها، وما ترتب عليه لاحقاً من خسارة لبنان للعقد مع سوناطراك.

أيّاً كان نوع القضية أو القضاة الذين يتولون التحقيق فيها، فإن مبدأ الحياد واجب للحفاظ على سير التحقيق، ولكن  للأسف منظومة القضاء في لبنان بعيدة عن الحياد والشفافية إذ إن القضاة يتم تعيينهم في مراكزهم بناء على التوصيات والعلاقات الخاصة.

وعلى هذا الأساس يعود لوزارة العدل سلطة إدارة الأمور المالية المتعلقة بالقضاء. فالسلطة التنفيذية هي المسؤولة عن الأمور الإدارية للمحاكم، ومجلس القضاء الأعلى لا يتمتع بسلطة تحديد ميزانية القضاء أو إدارة المحاكم. وبالتالي، فإنّ السلطة القضائية لا تتمتع بأيّ استقلال مالي أو إداري.

"آيا صوفيا": قصة ١٥ قرناً ونزاع لم ينتهِ!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard