لماذا نجحت اليابان في احتواء جائحة كوفيد-19؟

5 حزيران 2020 | 17:06

"كان الحل الموضعي هو تحرك وزارة الدفاع في إطار مهمات الإغاثة المسموح بها، وليس التصدي للوباء المرضي". (أ ف ب).

في زمن جائحة #كورونا يُعاد طرح إشكالية دور المؤسسة العسكرية في التصدي لأخطار غير تقليدية بعيداً من قدراتها الحربية وأجهزتها الأمنية، إذ إن الوباء أصبح خطراً وجودياً يهدد كيان الدولة ومقدّراتها، وبالأخص مواطنيها.

من هنا، وبعيداً من ازدواجية السلطات، وسوء استخدام السلطة، أطرح دور قوات الدفاع الذاتي اليابانية في زمن السلم، حيث المساهمة الفعالة في احتواء الكوارث الطبيعية والأخطار الوبائية، دفاعاً عن الوطن والشعب وسلامتهما.

إن دور الألوية العسكرية الطبية اليابانية في حماية مواطنيها بمواجهة جائحة كوفيد 19 الكورونية، هي ثمرة لتراكم تاريخي وخبرات متعاظمة في خدمة بلاد الشمس المشرقة خاصة، والإنسانية عامة. ومن هنا فإن الدور الجوهري الحالي هو ثمرة الإعداد المُسبق لمواجهة الأخطار، وذلك ضمن إطار "الاستراتيجية السلمية الاستباقية" التي تتبناها الحكومة اليابانية الحالية.

منذ العام 2007 ساهمت اليابان بفاعلية في "شراكة الأطلسي" البحرية، والتي ترأسها الولايات المتحدة الأميركية وتضم الدول الحليفة المطلة على المحيط، وتشارك فيها كذلك المنظمات الإغاثية العالمية والجمعيات الأهلية، بهدف خدمة الإنسانية والإعداد "لإدارة الطوارئ" للحدّ من الآثار المترتبة على الكوارث الطبيعية المتوقعة (على سبيل المثال: الإخلاء الفوري، الحجر الصحي، إزالة التلوث الشامل، وما إلى ذلك).

وشاركت الأطقم الطبية العسكرية اليابانية من خلال الأمم المتحدة في عمليات الإغاثة المستعجلة والتلقيح ضد الأمراض، وقامت الوحدات الهندسية ببناء مخيمات الإيواء وإزالة العوائق، ما ساهم في تكوين شخصيتها العملانية الجامعة بمواجهة غضب الطبيعة.

ومن خلال التعاون مع الأسطول السابع الأميركي بالذات، وخاصة في المناورات المشتركة غير القتالية، تبدّت لوزارة الدفاع اليابانية أهمية الحصول على "سفينة مستشفى" عسكري ميداني تليق ببلادها. وذلك كي تساعدها في جهودها الداخلية، بخاصة أن اليابان معرضة باستمرار لموجات التسونامي، والهزات الارضية العنيفة، والبراكين المتفجرة (والخامدة حالياً)، وكذلك يمكن لمثل هذه السفينة الحديثة المشاركة في مهمات الإغاثة الدولية، ما يعزز مكانة اليابان العالمية، ويساهم في كسبها لتقدير واحترام شعوب العالم. وتجدر الإشارة التاريخية هنا إلى أن اليابان في الزمن الإمبراطوري، ما قبل الهزيمة في الحرب العالمية الثانية، كانت تمتلك 30 سفينة إمداد طبي عسكرية، ساهمت بفاعلية في المجهود الحربي، ولكن تم مصادرة ما بقي منها بعد الهزيمة التي سببها المباشر استخدام القنابل الذرية ضد أهداف مدنية ومناطق سكنية في مدينتي هيروشيما وناكازاكي، والتهديد بالاستمرار حتى محو الشعب الياباني.

استجابة لإلحاح وزارة الدفاع، شكّل مكتب رئيس الوزراء الياباني العام 2011 لجنة مختصة لدراسة جدوى بناء قطعة بحرية رئيسية تخدم القطاع الطبي في البحرية اليابانية، والهدف وضعها في الخدمة عاجلاً وليس آجلاً. بخاصة بعد مأساة فوكوشيما الكبرى، حيث ساهمت الأطقم الطبية لوزارة الدفاع في تقديم الاحتياجات الإنسانية الأساسية للمواطنين اليابانيين كالغذاء والماء والإيواء (ثم السكن المؤقت)، وكذلك الرعاية الصحية للمتضررين (وصولاً إلى الاستحمام).

بعد عامين من الدراسات المستفيضة، والغوص في التفاصيل، أثبط تقرير هذه اللجنة طموحات وزارة الدفاع، حيث ركز الاستنتاج على المخاطر المالية المترتبة على ميزانية الدولة. ولكن المساومة كانت في نفس العام (2013)، حيث كان اقتراح اللجنة التعاون مع القطاع الخاص وذلك باستخدام سفن مدنية مؤهلة بدلاً من بناء سفينة مستشفى عسكرية من الصفر، حيث التكلفة الباهظة.

صدر القرار الحاسم من مكتب رئيس الوزراء في تشرين الثاني 2014، بتنفيذ التوصية النهائية، وفوراً تم التطبيق العملي للمقررات الحكومية، فتم تحويل السفينة المدنية "هايكو" إلى الاستخدام الطبي بطاقم من البحرية اليابانية ووحداتها التمريضية، وساهمت في الأعمال الإنسانية في المهمات التالية:

أ – زلزال كوماموتو عام 2016

ب – زلزال هوكايدو 2018

ج - فياضانات هيروشيما عام 2018

واليوم، في العام 2020 واجهت البشرية خطراً جديداً شاملاً، في ظل منظومة العولمة (العالم بأسره تحول إلى قرية صغيرة)، فشمل الخطر قارات الكرة الأرضية الخمس، وتمثل في فيروس تاجي خفي يضرب الجهاز التنفسي للإنسان، وهو أحد مستحدثات الجرثومة التاجية كورونا، وأُطلق عليه كوفيد 19.

المعضلة القانونية والدستورية التي واجهتها السلطات اليابانية، كونها تتبع الأنظمة والقوانين (وليس فرمانات سياسية فوقية وبلاغات عسكرية جوفاء، تخدر وتستغفل البسطاء من المواطنين) هو عدم وجود نص واضح يتيح للمؤسسة العسكرية اليابانية، ممثلة بوزارة الدفاع وأجهزتها، مهمة التعامل والتصدي لخطر غير تقليدي ليس من ضمن اختصاصاتها (الفعلية أو الممنوحة)، هو "المرض الوبائي"، هذه المرة. إن الدستور الياباني لا يسمح للسلطات فرض حظر التجوال أو الإغلاق التام للمدن حتى وإن تم إعلان حالة الطوارئ، وبما أن هذه أول مرة يتم فيها إعلان حالة الطوارئ في اليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فلم يكن هناك قانون لتنفيذ ذلك حتى ظهور أزمة كورونا المخيفة.

كان الحل الموضعي هو تحرك وزارة الدفاع في إطار "مهمات الإغاثة" المسموح بها، وليس "التصدي للوباء المرضي" لأن القانون الواضح والصريح لا يسمح لها بذلك، وميزة احترام السلطات والدستور يعكس الانضباطية العسكرية في النظم الديمقراطية الحقيقية.

في هذا الإطار القانوني المحدد شاركت قوات الدفاع الذاتي اليابانية في حفظ البلاد من جائحة كوفيد 19، وخصصت 240 فرداً من أطقمها الطبية للتواجد في مسرح العمليات في المطارات التي تستقبل العائدين من البلدان الموبوءة، وكذلك في خليج طوكيو حيث رست السفينة المنكوبة "دايموند برنسيس". إذ أصيب حوالي 50 منهم بعوارض الوباء، وتم نقلهم إلى مستشفى الأكاديمية الطبية التابعة لوزارة الدفاع.

وتجدر الإشارة إلى أنه في 5 آذار رفعت مجموعة ائتلافية يابانية ضمت الأحزاب المعارضة إضافة إلى الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم، التماساً يُطالب مكتب رئاسة الوزراء بضرورة حصول قوات الدفاع الذاتي البحرية اليابانية على "سفينة مستشفى عسكرية" متطورة ومتكاملة بحلول العام 2023، وذلك في إطار "استراتيجية السلمية الاستباقية" التي ينادي بها رئيس الوزراء شينزو آبي.


* أستاذ التاريخ الحديث - دراسات يابانية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard