ماذا سيحصل غدًا السبت؟

5 حزيران 2020 | 13:48

المصدر: "النهار"

لوحة لمنصور الهبر.

الفقراء سينزلون غدًا السبت إلى الشارع. لا حبًّا بالشارع، ولا تنفيذًا لإراداتٍ مشبوهةٍ في الداخل والخارج، ولا رغبةً في التكسير والخلع، وإثارة الشغب، أو نشر الفوضى، أو... "الاعتداء" على القوى الأمنيّة.

إنّهم فقط سينزلون إلى الشارع، لأنّهم فقراء، موجوعون، يائسون، ويشعرون بالإهانتَين، المادّيّة والمعنويّة.

وسينزلون إلى الشارع بعدما يئسوا من الوعود والعهود، وأيضًا بسبب الوجع الذي لا يُطاق، وتعبيرًا عن الرأي، وبحثًا عن طريقةٍ شريفة لتأمين كرامة العيش في حدودها الدنيا: الرغيف، قسط المدرسة، والثياب.

أمّا الثياب فيريدونها لا ترفًا، بل فقط كِبَرًا وسترًا للعري.

إنّهم سينزلون إلى الشارع، لأنّهم يموتون موتًا بطيئًا في البيوت. ولأنّ بقاءهم مكتوفي الأيدي، واجمين، ساكتين، متردّدين، خائفين، لن يغيّر شيئًا في طبيعة المأساة التي يواجهونها صبح مساء، وكلّ يوم. بل سيزيدها عمقًا، وصولًا إلى قعر المقبرة الجماعيّة.

إنّهم سينزلون إلى الشارع، لأنّهم يشتهون الحصول على لقمة الخبز وبقايا الأطعمة التي يرميها المترفون في البراميل مع نفاياتهم المنزليّة.

إنّهم سينزلون إلى الشارع، لا أكثر لا أقلّ، وفقط لا غير. وهذا كلّ ما في الأمر.

وهم سينزلون، لا بالسواطير، ولا بالسيوف والسكاكين والمسدّسات والمتفجّرات والدبّابات، بل فقط بأجسادهم المهزولة، وعيونهم المكلومة، وقلوبهم المطعونة، ومراراتهم وخيباتهم غير القابلة للشفاء.

أبسبب هذا السبب "الخطير الخطير"، "المهدِّد للأمن القوميّ الوطنيّ"، لم يبقَ خيالٌ سلطويٌّ مريض، ولا ذكاءٌ رسميٌّ، جهنّميٌّ وشرّير، إلّا احتشد لتخريب الحراك، بفبركة الاتهامات، وحوك الدسائس والخطط والمؤامرات وتجييش الأزلام والمخابرات، وإشاعة المخاوف، وتوليد الشعارات والمطالب المتناقضة والمتضاربة؟!

الفقراء سينزلون إلى الشارع. هذا حقّهم الطبيعيّ، بل هذا واجبهم. وقد تأخّروا.

إنّهم الفقراء الأوادم الأحرار الطيّبون المقهورون. وهم هؤلاء وأولئك الناس الوطنيّون الذين يأّستهم هذه السلطة، عهدًا وحكومةً ومجلسًا للنوّاب، وطبقةً سياسيّةً، تتوزّع الأدوار في ما في ما بين أطرافها المتعارضين ظاهرًا، والمتراصّي الصفوف باطنًا، بالتكافل والتضامن، لإجهاض الحراك.

ماذا سيجري غدًا السبت؟

سينزل الفقراء إلى الشارع، لكنّ أهل السلطة وهم جماعات الفساد والشرّ والسرقة والبلطجة والاستكبار والإرهاب والترهيب والتركيع، سيعملون المستحيل للحؤول دون إنجاح الحراك. بل لتأبيد وجودهم في السلطة.

المعادلة واضحة. هذا كلّ ما في الأمر.

الفقراء سينزلون غدًا السبت إلى الشارع، من أجل أنْ يستعيدوا ما فاتهم من الهواء ومن الحياة. فقط لا غير.

غدًا السبت، السلطة لن تغيّر طريقتها في ممارسة الحكم والسلطة. وهي ستحاول، وستظلّ تحاول أنْ تصادر الهواء والحياة، بكلّ الأساليب الدنيئة الممكنة.

تنطوي هذه المعادلة على الآتي: الفقير ليس أمامه إلّا خيارٌ واحدٌ وحيد: تأمين الرغيف، وقسط المدرسة، والثياب التي تصون الكرامة وتستر العري.

وليس أمام السلطة إلّا أنْ ترضخ لهذا الخيار.

وهي بسببٍ من ذلك، يستحيل أنْ تستمرّ. لأنّها ليست أهلًا لتأمين الرغيف، ولا لتوفير قسط المدرسة، ولا لتحصيل الثياب التي تستر العري. ولا خصوصًا تلك الثياب التي تصون الكرامة الشخصيّة والوطنيّة.

ماذا سيحصل غدًا السبت؟

الفقراء سينزلون إلى الشارع. الباقي فلتتحمّله هذه السلطة!

Akl.awit@annahar.com.lb

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard