ماهر شرف الدين يردّ لنا الروح

6 حزيران 2020 | 11:00

المصدر: "النهار"

ماهر شرف الدين.

مضت تسع سنوات على ولادة الثورة السورية، على ولادتي، وأنا الذي كنت أحسب حتى آذار العام 2011 بأن سوريا هي صدريّة طلائع البعث، دروس التربية القومية، تماثيل حافظ الاسد، وإذلال الناس بحرف القاف. أعترف وبخجل، بأني في الشهور الأولى من الثورة، لم أكن أتابع ما يجري في بلدي الأمّ سوريا، بقدر ما كنت مشغولاً بأحوال الثوار في ليبيا، يقيناً مني بأن عظام أطفال درعا الطريّة ليس بوسعها الصمود طويلاً في وجه محترفي القتل والتعذيب في فروع المخابرات السورية.

إلی أن فاجأت حمص، ينابيع الله الضالّة، بحمل راية الثورة. شهداء أنقى من قطر الندى المتساقط من عرائش العنب عند الصباح. في حي الخالدية، هنالك مشهدية ما زالت إلی اليوم تلمع في مخيلتي كما يلمع الخرز الضائع في ثنايا فستان العروس. طارق الأحدب يحاول إنقاذ محمد الفاضل من رصاص قناص النظام. شهيد يحاول أن ينقذ شهيداً، فيقول له عند "طلوع" النفس الأخير، "يا محمد، أنا، أنت، لما كنت أنا أنا". يا حمص، يا أجمل غصن في زيتونة الثورة السورية، لك السلام، إلی أن تغفو أمواج البحر التي لا تنام.

بتلاوة سورة الكرسي ينشرح صدري، كما تحلّق روحي عالياً لدى قراءة نصوص ماهر شرف الدين. ليس فقط لأنها برّاقة بالشعر، مضيئة بالصور، وفاتحة لآفاق نحو المستحيل فحسب، بل لأنها نصوص عصيّة على الخضوع واليأس والإحباط. نصوص لا تتعب، لشاعر لا يكلّ ولا يملّ في تذكيرنا، نحن السوريين، بأن ثورة غياث مطر، عبد الباسط الساروت، تامر العوام وحسام المطيري، رغم محاولة تلويث النظام لها برايات أبو بكر السوداء، هي أرفع صيغة تعبير جماعي شعبي عرفه العالم الحديث على الإطلاق.

من عباراته الشعرية، تفوح رائحة الأبيض كما يفوح المسك من بين دفتي "تفسير الجلالين". أنضر من الفلّ، أعذب من حبات الثلج، بياض ما بعده بياض. هذه هي الصور التي لا تفارق قصائد ديوان "السوريين شجر" لماهر شرف الدين، الذي سخّر ملكته اللغوية الاستثنائية لسرد أقدار السوريين الذين أذهلوا العالم أجمع في تصدّيهم بالصدور العارية لبواريد الظلم والطغيان: "بعد انتهاء المجزرة، نظرت الأمّ الثكلى إلى الثلج الذي بدأ يغطي المدينة وقالت له: يا حيف يا ثلج، كيف تنزل بكل هذا البياض، بعد الدم الذي قد سال!". أحسب هنا بأن إيراد عبارة "يا حيف" بالعامية، هو للتلميح عن عجز العربية الفصحى، التي يزيد عمرها على الألفي عام، في التعبير عن تصوير الجرح السوري الارتوازي. كما أحسب أيضاً بأن علامة الاستعجاب في نهاية الجملة الشعرية، هي ليست سوى "عتب على الله" الذي لم يوفّر على السوريين أي صنف من أصناف الموت: "باتت أخبار غرق السوريين في البحر، أخباراً شبه يومية... لم تبق يدٌ لم تتلطخ بدماء السوريين، حتى يد البحر".

الذي يكتب يكسر القهر. الذي يكتب ينقذ ذاكرة من الزوال وثورة من الضياع. هذا ما حرص عليه صاحب "لحظة وفاة الدكتاتور"، وذلك حتى من قبل اندلاع الثورة السورية، حين كان "فتح التّم" في مملكة الرعب الأسدية يكلف "جلد الروح" وخسارة ثلاثة أرباع أفراد العائلة.

أما الذاكرة التي يعمل شرف الدين جاهداً على توثيقها شعرياً في كتاباته، فهي ذاكرة السوريين الجماعية والفردية. ذاكرة العشرين مليون سوري الذين هدر نظام الأسد كرامتهم و"كرسح" إلى يوم الدين حاسة التعبير عندهم: "الذين تمددوا في ساحة البيضا، وداس عليهم الجنود، لم يكونوا خمسين شاباً، بل كانوا عشرين مليون سوري، لكن الكاميرا لم تتسع للجميع". كما هي أيضاً ذاكرة فردية شخصية حميمية. ذاكرة كل سوري تقطعت به السبل من ممارسات القصف والتجويع والإجرام والتهجير التي تمارس بحقه من قبل قوات وجيش النظام منذ ما يقارب العشر سنوات: "رأيت صورة لعائلة من الأتارب تتناول إفطارها عند قبور أبنائها الشهداء. كان إفطارا أليماً في مقبرة: الطعام فوق التراب والأحباء تحته".

كتابة ماهر شرف الدين مطهرة. كتابة تغسل الروح، كما يغسل البوح الخطايا والآثام. كتابة تنضح بالشعر والعصيان كما ينضح الشهداء الذين يُكتب عنهم بالنور والدم والتحنان. خلق فني رفيع، ينهل على الدوام من أباريق الغنائية وينابيع النقد. فكيفما دار قلمه مؤلف "حكّ الصدأ"، يدمع الشعر من كلماته كما تدمع في الليل خيام اللاجئين بالبرد والصلاة والأنين.

نثره أكثر شعراً من الشعر، على شاكلة ماريا ريلكه، بول تسيلان، أنتونان آرتو وجان جينيه: "لم يُبكني منظر الدم على قمصانهم، (يكتب الشاعر واصفاً أطفال مجزرة كرم الزيتون)، بل أبكاني منظر البول على بناطيلهم، الأطفال الذين بالوا في ثيابهم لحظة ذبحهم، أقنعونا لأول مرة، أنه بوسع البول أن يكون أكثر قسوة من الدم!".

إلى جانب الغنائية، تقتات تجربة ماهر شرف الدين الإبداعية على ملح النقد والشك ووضع علامات استفهام على كل الكثير من الأمور في حياتنا. خاصة على كل ما يحنّط العقل ويحجّر المحاكمة والتفكير من تابوهات ومقدسات وتقاليد. ينتابني هنا القول بأني لم أقرأ لمثقف عربي، حتى بعد ثورات الربيع العربي، أخذ على عاتقه "النقد" كواجب يشحذ خلقه الفني به وكأداة رؤيوية شعرية تحذر القارئ من الوقوع في شرك أي صنف من أصناف التعصب السياسي، الديني، العائلي أو حتى الثوري، كما قام به صاحب "أبي البعثي": "ففي زمن الثورة، الذي هو زمن التحول الجذري الخطير، يكون النقد حقاً وواجباً في الآن ذاته، وبالقدر ذاته. إنَّ النقد الثوري حقٌّ من الحقوق بقدر ما هو واجبٌ من الواجبات. بل هو بالأحرى، وبتكثيفٍ أشدّ، واجبُ استعمالِ هذا الحقّ، الذي من دونه تُهدَر بقية الحقوق، وتُهمَل بقية الواجبات، ونصبح عالقين بين دكتاتورية ما ثرنا عليه ودكتاتورية الثورة نفسها".

ماهر شرف الدين أقلّوي. أقلّوي لأنه يوجّه بسبّابة الريبة والنقد إلى الذات قبل الآخرين. فجلّ الذي تتحدث معهم من مثقفين وغير المثقفين عن الوضع المأسوي الذي وصلت إليه بلدننا يقول لك بأن أميركا والغرب هما المسؤولان عن الكارثة التي حلّت بنا. حتى أن البعض يعطيك الشعور بأن الغرب مسؤول أيضاً عن ظهور حَبّ الشباب عند المراهقين وعن الاضطرابات الهرمونية عند بعض النساء، لا بل وحتى عن ارتفاع ضغط الدم عند مرضى القلب والسكري. بالمختصر "نحنا ما دخلنا"، "الجحيم هو الآخرون" على حد تعبير جان بول سارتر.

هذه الإجابة سهلة، مريحة، ولا تكلف أي عناء أو جهد، إلا أنها تمدّ بعمر حكم الطغاة داخل وخارج البيت، وإلى أبد الآبدين. أما الإجابة التي يقدّمها لنا ماهر شرف الدين في كتاباته عن سبب الضياع والخراب اللذين وصلنا إليهما، فهي إجابة متعبة، مرهقة تثير زوابع القلق والشك من كل حدب وصوب، لأنها بمثابة مجابهة مع الألم. لكنه الألم المودي إلى الحقيقة، التي نهاب ونخشى ونخاف.

"أنا وأنت، أمي وأبي" هم سبب "الطوفان في بلاد البعث"، هذا ما أراد البوح به الشاعر في مقدمة كتابه "أبي البعثي"، مبيناً أحد أهم الأسباب التي حوّلت سوريا صادق جلال العظم وعمر أميرالاي إلى دكان يملكه آل الأسد: "إن جيل أبي الذي كان شاباً في السنوات الحاسمة لتسلم حافظ الأسد السلطة وبطشه بالشعب يتحمل مسؤولية كبيرة في تسليم الأجيال اللاحقة إلى قبضة الدكتاتور. كانت هذه قناعتي حين كتبت هذا النص قبل ثلاثة عشر عاماً، معطوفة على قناعة أهم ألا وهي أن الدكتاتورية السياسية ليست سوى تتويج لبقية الدكتاتوريات في سوريا: الدكتاتورية التربوية، الدكتاتورية الاجتماعية، الدكتاتورية الدينية... إلخ".

عمداً وعن قصد، جمعتُ في هذا النص اسم ماهر شرف الدين إلى جانب اسم مدينة حمص، أغلى المدن. فكما تأخذ مدينة فدوى سليمان وباسل شحادة بي وبملايين السوريين إلى أيام "عزّ دين" الثورة، من اعتصام الساعة إلى أهازيج الثوار في البياضة وبابا عمرو، تردّ لنا الروح كلمات صاحب "السوريين شجر"، لترمي بنا إلى حالات وجدانية باسقة، تخطف الأنفاس، وكأننا نرى للتو، مليونية ساحة العاصي بحماة، ابتسامة الأب باولو وهوية انشقاق حسين هرموش.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard