كانّ دورة كورونا - عبد الستّار ناجي: المهرجان يصيب الإنسان كفيروس

3 حزيران 2020 | 16:56

المصدر: "النهار"

عبد الستّار ناجي (تصوير حنّا ورد).

في مناسبة الدورة الملغاة من مهرجان كانّ السينمائي (بسبب تفشّي وباء كورونا)، نجري "تغطية" هي بمثابة تحيّة للمهرجان في عنوان "كانّ - دورة كورونا"، تتضمن حوارات ومقالات. أردناها فرصة للعودة في الزمن إلى الوراء، إلى بضع سنوات خلت، لنستعيد شيئاً ممّا نحب في هذا الحدث الكبير، من خلال الذين واكبوه على مدار سنوات. انها فرصة لنعود إلى كانّ، ولو عبر الذاكرة، لنكتب فيه ما لم نكتبه في الماضي، ما لم يسعفنا ضيق الوقت لكتابته. طوال ١٢ يوماً، أي حتى الـ٢٣ من الجاري (وقد يمتد أسبوعاً اضافياً أو أكثر)، سننشر سلسلة مقابلات مع صحافيين ونقّاد يروون تجربتهم في المهرجان. "دورة كورونا" هذه، إن صحّت تسميتها كذلك، هي مناسبة لنبش دفاتر كانّ، في انتظار طبعة ٢٠٢١. في الآتي، مقابلة مع الصحافي والناقد السينمائي العراقي المقيم في الكويت عبد الستّار ناجي (جريدة "النهار" الكويتية)، الذي يحضر كانّ منذ ٤٥ عاماً.

* بدءاً من أي عام بدأتَ تحضر مهرجان كانّ، وهل من انطباع أو صورة من دورتك الأولى تحتفظ بها في ذاكرتك؟

- أتذكّر جيداً تلك الرحلة الطويلة التي نقشت حروفها مثل الوشم في ذاكرتي ووجداني. هنا، كنت أرى كوبولا، وهناك ألتقي كوروساوا، وهنا أصافح غودار، وهنا ابتسمت لي صوفيا لورين. كانّ يأكل القصائد والعشق والذكريات. الأولى التي شددتُ بها الرحال إلى كانّ، كان ذلك في العام ١٩٧٥. يومها، كنت في العام الثالث في جامعة الكويت، أدرس اللغة العربية. لحسن الحظ إنني أنجزتُ الحصّة الدراسية الأولى مبكراً، والثانية كانت في تموز. وقد جاءت فكرة الذهاب إلى كانّ، بعدما شعرتُ بأن الصحافة المحلية والعربية ضاقت على طموحات ذلك الشاب البدوي الذي كان يمنّي النفس بالسفر إلى كانّ والبندقية، وهو يرصد كتابات الراحل سمير نصري في "النهار"، وسمير فريد في "الجمهورية"، وسامي السلاموني ورؤوف توفيق. أعترف بأنني، عند وصولي إلى تلك المدينة الغارقة في الشمس والحياة في انتظار عرسها السينمائي، فتحتُ شرفة الشقّة التي كنت استأجرتها ولا أزال إلى اليوم، رأيتُ تلك الأجساد العارية الممددة على الشاطئ، ويومها كنت ما شاهدتُ بعد شعر والدتي. عامذاك، فاز الجزائري محمّد لخضر حامينا بـ"السعفة الذهب" عن فيلمه “وقائع سنين الجمر”. فاعتقدتُ أني سأكون فأل خير للسينما العربية وان السينما العربية في طريقها إلى المزيد من الانجازات. تحققت الانجازات وترسخت، الا ان "السعفة" ظلت بعيدة.

* هل تغيّر كانّ كثيراً منذ أول مرة شاركت فيه؟

- تغيّر كانّ كثيراً، ولكن قبل تناول تغييرات المهرجان نفسه، ينبغي لي التحدّث عن المدينة التي ارتفعت فيها الأسعار بشكل مذهل. فتلك الشقّة التي كنت أستأجرها في العام ١٩٧٥ بمبلغ ١٥٠٠ فرنك فرنسي، أصبحت اليوم تساوي ٣٠٠٠ أورو. كلّ ما تغيّر فيها المكيف ولوحة زيتية لا تحمل أي توقيع. أما كانّ المهرجان، فبقي ذلك النبع الذي لا يجف. وكأن ذلك النهج الذي اشتغل عليه جان كوكتو حينما ترأس لجنة التحكيم في دورتين متتاليتين (١٩٥٣ و١٩٥٤)، شكّل الأرض التي تأسس عليها المهرجان. كانّ تطور إلى الأفضل بفضل أجيال، لا بد من ان نتوقّف عندها، ومنهم روبير فافر لو بريه وجيل جاكوب وتييري فريمو وغيرهم، وكلّ منهم كان يحيط نفسه بفريق من النقّاد والسينمائيين وكبريات الشركات والمؤسسات التي حوّلت كانّ إلى الموعد السينمائي الأهم، يحظى بإحترام وثقة.

* اذا بدأتَ جملتي بـ"كانّ ليس فقط أفلاماً، ولكن أيضاً"… كيف تُكمل هذه الجملة، وما الذي تضيفه؟

- كانّ ليس فقط أفلاماً، ولكن أيضا جمال وإبداع. فهنا مخرج وهناك كاتب سيناريو وهنالك عارضة ونجمة وفنّان تشكيلي وموسيقيّ… هذا ما نلمسه في كلّ مكان. سهرات كانّ التي لا تتوقّف حتى صياح الديك، إن كانت لا تزال الديوك تصيح حتى الآن عند الصباح. كانّ يعني صفقات ومشاريع سينمائية. كانّ تيارات سينمائية يُحتفى بها وتترسّخ ثم تمضي إلى العالم. مثل عبق عطر باريسي جديد… كانّ هو أيضاً التجارة والأثرياء والأزياء، وهو قبل هذا وذاك، الشباب والأمل والغد. كلما حضرتُ إلى كانّ، نسيتُ العقود السبعة التي أحملها على ظهري. وسط إيقاع ذلك الموعد السينمائي أجدني أسابق عمري والزمن.

* كانّ مهرجان فيه الكثير من الضغط والإرهاق. كيف توزّع وقتك وجدول عملك عادةً لتستطيع الخروج بأفضل حصيلة في ظلّ هذا كله؟

- أفضّل مفردة إيقاع على ضغط. لكانّ إيقاعه المتسارع الذي يتطلّب لياقة بدنية عالية وذهنية أعلى. وقبل ان يغيّر المدير الفنّي للمهرجان تييري فريمو البرمجة ويخضع لكبريات الشركات التي انزعجت من كتابات نقّاد وسائل التواصل، كنت أستيقظ في تمام السادسة صباحاً وأشرع في الكتابة عن آخر فيلم كنت قد شاهدته في الأمس. وفي تمام الساعة السابعة والنصف، أخرج إلى القاعة الكبرى ("لوميير")، لمشاهدة الفيلم المعروض في الثامنة والنصف، ثم في الحادية عشرة أشاهد فيلماً معروضاً سواء في المسابقة أو في قسم "نظرة ما"، بعدها أتفرغ للكتابة وتحضير وجبة الغداء مع عدد من الزملاء النقّاد ورفاق الدرب. بعدها دوش، والعودة مجدداً إلى الصالات، لفيلمين، ثالث ورابع. اذاً، المعدّل بالنسبة لي من أربعة إلى خمسة أفلام. في يومٍ، شاهدتُ سبعة أفلام، مع ملاحظة أنني اضطررتُ للخروج قبل نهاية أحد الأفلام بربع ساعة للحاق بفيلم فرنسيس فورد كوبولا. الايقاع العالي للمشاهدة لا يصبّ في مصلحة الفيلم. الا ان التجربة والخبرة العريضة تختصران الكثير من الهوامش. والسينمائي الحقيقي قادر على ان يأسرنا ببصماته.

* إلامَ تسنتد لاختيار الأفلام التي تريد مشاهدتها؟ اسم المخرج؟ ما سمعت عنها؟ توقيت العرض؟ القسم الذي تُعرَض فيه؟

- في الغالب، أشاهد كلّ أفلام المسابقة الرسمية، وجزءاً كبيراً من تظاهرة "نظرة ما” و"اسبوعا المخرجين". هذا هو الأساس الذي أشتغل عليه، وحتماً هناك اسم المخرج الذي يشكّل مرجعية حقيقية للمشاهدة والرصد والاهتمام. وفي الغالب، أقوم بوضع جدول المهرجان بالكامل منذ استلامه، وأترك بعض المساحات للمؤتمرات الصحافية المهمة وللقاءات الخاصة. وعبر مسيرة المهرجان، تشرفتُ بلقاء عدد كبير من السينمائيين: اليابانيان أكيرا كوروساوا وشويه إيمّامورا، والأميركيان فرنسيس كوبولا وكوانتن تارانتينو، والصربي أمير كوستوريتسا، والدانماركي بيل أوغوست، والاسباني بدرو ألمودوفار، والروسي أندره تاركوفسكي، والبولوني كشيشتوف كيشلوفسكي، والإيراني عباس كيارستمي، والبرتغالي مانويل دو أوليفيرا، والأوسترالية جاين كامبيون، والمصري يوسف شاهين، وعشرات النجوم غيرهم من أنحاء المعمورة.

* هل توافق أن أهم أفلام العام تُعرَض عادةً في كانّ؟

- كانّ هو المنصّة الأهم سينمائياً، التي تُعرَض من خلالها أهم الأفلام. الأمر لا يقتصر على المسابقة الرسمية، بل على جملة تظاهرات. وأشير إلى ان سلسلة المهرجانات التي تعقب شهر أيار، تحتفي بعروض كانّ وتخصص لها تظاهرات ومسابقات خاصة. وهذه المكانة تستمد حيثياتها من أهمية ما يقدّمه كانّ، وأيضاً من تلك الثقة الكبيرة التي يحملها صنّاع السينما وشركات الانتاج والتوزيع للمهرجان.

* هل في بالك لقاء ترك فيك أثراً عميقاً يمكنك أن تشاركه مع القراء؟

- في العام ١٩٨٣، قدّم المخرج التركي الراحل يلماز غونيه فيلمه "الحائط"، خارج المسابقة، وعُرض يومها في تظاهرة "نظرة ما"، وشاهدنا الفيلم داخل صالة في شارع أنتيب، وكان بين الحضور أكبر عدد من صنّاع السينما وأساطيرها، من بينهم سكورسيزي وكوروساوا وإيمّامورا ولولوش وغافراس. كان من المفترض، بعد نهاية الفيلم، ان يخرج الجمهور ليبدأ فيلم آخر. الا ان العرض تحوّل إلى جلسة حوار رفيع المستوى عن السينما والاشكاليات التي يعيشها السينمائي في ظلّ الاغتراب والمشاكل السياسية والحصار والهجرة. حوار يؤسس لأكثر من كتاب ودرس في السينما لا يحسّه الا المبدع الذي عاش الغربة والهجرة. درس سيظل نابضاً ما بقيت السياسات الديكتاتورية في العالم.

* ألم تمل من العودة مراراً إلى كانّ كلّ عام؟ هل شعرتَ يوماً بالتكرار وفكّرتَ بعدم العودة؟

- غبتُ عن المهرجان مرتين: الأولى في العام ١٩٩١، عند الاحتلال العراقي لدولة الكويت. وكان ذلك أول انقطاع. المرة الثانية عام ٢٠١٩، لتداخل مواعيد المهرجان مع شهر رمضان. وهذا العام أُلغي كانّ بسبب تفشّي وباء كورونا. في مناسبة الحديث عن كورونا، كانّ بمثابة فيروس، اذا ما أصاب الإنسان، فسيكون من الصعب التخلّص منه. والعلاقة مع كانّ بالنسبة لي، راحت تمتد إلى مهرجانات أخرى تُقام سنوياً في المدينة، فبتُّ أعرف الأماكن والوجوه والمقاهي والكراسي والمطاعم والطرق والشواطئ وباعة الصحف. شخصياً، لم أشعر بالملل يوماً، لأنني أمام موعد متجدد، وصحبة أحبّة ورفاق يمثّلون جنسيات مختلفة، من كلّ حدب وصوب.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard