عن زيف (بعض) المجتمع اللبناني تجاه قضية جورج فلويد

2 حزيران 2020 | 16:19

المصدر: "النهار"

جدارية لفلويد (أ ف ب).

كالعادة، وعند كل حدثٍ عالمي، يتحوّل اللبناني، من دون سابق إنذار، إلى "أم الصبي". يتابع الأحداث بأدق التفاصيل، يتحوّل من متابع عادي إلى خبير ومدافع شرس عن حقوق الإنسان. وبعد أن كان خبيراً اقتصادياً وخبيراً في الأمراض الجرثومية خلال أزمة كورونا، ها هو اليوم يخلع ثوب الطبيب ليصبح مارتن لوثر كينغ، بين ليلة وضحاها، في قضية #جورج_فلويد.

قد يكون التعاطف المبالغ به على مواقع التواصل مع قضية فلويد مبرراً، نظراً للطريقة الوحشية واللاإنسانية لموته أمام عدسات الكاميرات، ولكن منشوراً على "الفايسبوك" نشرته الشابة زينب كنعان (من أم افريقية وأب لبناني) وضع النقاط على الحروف لحجم النفاق المزمن والعنصرية المقيتة التي يضخّها الشعب اللبناني (من دون تعميم طبعاً) تجاه بقية الشعوب غير اللبنانية.


بحرقة ومشاعر غاضبة، عبرت الشابة عما تكنّه نسبة كبيرة من الشعب اللبناني المدّعي الإنسانية تجاه الأعراق الأخرى، تارة ينعتها بالزنجية وتارة أخرى "بالعبدة" (نتحفّظ على الوصف). صرخة حاكت قصصاً شعرت بها، أوصلتها بين أحرف كلماتها، تروي معاناة عقود من الظلم الذي عاشته زينب أو من يشبه حالتها، أكانوا من العمال العرب أو من بنغلادش أو عاملات منازل من مختلف الجنسيات، والذين يطلق عليهن تسمية عاملات "سري لانكيات"، كأن سري لانكا تصدر للعالم شاباتها للعمل فقط في المنازل.

صفات كثيرة وثقتها الشابة عن المعاناة التي يعيشها أسمر البشرة في مجتمع يدعي التحضّر ومراعاة حقوق الإنسان، أكانت في العائلة الصغيرة، أو الحي أو على مقاعد الدراسة، وكأن اختلاف لون البشرة يغير في المعايير الإنسانية والاجتماعية، وما يرافقها من تحديات يومية دفعت بالكثيرات من العاملات المنزليات، على سبيل المثال، للانتحار، على قاعدة أن عاملة المنزل هي "مُلك" للعائلة يمكن أي فرد أن يوقظها من نومها لطلب كوب ماء يبعد عن متناوله أمتاراً قليلة، هذا عدا عن التعنيف الحاصل خصوصاً في فترة الحجر والتحرش وغيرها من الضغوط التي يتعرّضن لها، فقط لأن اللبناني على أرضه ويملك القوة في التعامل مع باقي الشعوب.

وبالعودة إلى التعاطف الكبير الذي حصده فلويد برحيله، فإنّ اللبناني (عموماً) يتعامل مع القضية على أنها "تراند" عالمي لا أكثر ولا أقل، فالعنصرية المتغلغلة في الملفات اللبنانية خير دليل على كذب ودجل فئة كبيرة من اللبنانيين. ومن الملفات التي نذكرها، المصطلحات التي تصف أصحاب البشرة الأخرى، والتغاضي عن قسم كبير من حقوقهم. وفي حال قرر أحدهم المطالبة ببعض من تلك الحقوق يتعرّض للعنف وسط تغاضي وقح من المجتمع.

كثيرة هي المشاهد التي صادفتنا في حياتنا اليومية. فالكثير من الحضانات على سبيل المثال، لا تستقبل الأطفال من أصحاب البشرة السمراء، ويتم تعليل السبب بحجج واهية ونظريات غريبة، على سبيل المثال ما قالته إحدى المديرات قبل سنوات عندما رفضت تسجيل طفل سوداني في الحضانة بأن بعض ذوي الأطفال الموجودين في الحضانة اعترضوا على قبوله وهددت بعض الأمهات بسحب أطفالهن! ما دفع حينها السفارة السودانية إلى إصدار بيان استنكار. ولكن بعيداً من العنصرية، من يعوض هذا الطفل الجرح النفسي الحاصل من سخرية الأطفال أو التنمّر الحاصل بحقه؟ ومن سيغفر له في حال انتقم بعد سنوات من المجتمع؟

البشرية على مدى العصور عرفت أنواعاً مختلفة من العنصرية، أكانت عبر جلب أصحاب البشرة الداكنة من أفريقيا للعمل بظروف صعبة في الدول "المتطورة"، أو عبر رميهم في البحر كما حصل في القرون الوسطى. ولكن مع تطوّر البشرية والقوانين الدولية يفترض أن تلك الحقبة قد انتهت. إلا أنّ رواسب تلك الحقبة، على ما يبدو، ما زالت موجودة حتى اليوم في مختلف أنحاء العالم.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard