القطاع العقاريّ في العالم: تحدّياته، فرصه ومستقبله

2 حزيران 2020 | 14:53

بيروت - (أ ف ب).

ما من شك في أنّ السوق العقاريّة ستتأثر إلى حدّ ما بسبب انتشار فيروس كورونا المستجدّ، وإن بشكل مختلف، وذلك ليس بسبب القطاع والسوق فحسب، بل بسبب فترة الاضطراب الاقتصاديّ الحاليّ التي طال أمدها. وعلى الرغم من أنّه ما زال من المبكر التأكيد على ما سيحدث في المستقبل، فمن المرجَّح أنّ القطاع العقاريّ سيكون أقلّ تأثّراً بالوباء، بالمقارنة مع القطاعات الأخرى. وفي ما يلي أدرج بالتفصيل العواقب الناتجة عن الوباء التي طالت أسواقنا.

مع تقيّد البلدان بحظر التجوّل وحجر الناس في منازلهم من أجل الحدّ من انتشار فيروس كورونا، يشهد قطاع السياحة والسفر تراجعاً كبيراً، ما يجعله أكثر القطاعات تضرراً، وذلك بالتأثير المباشر على الفنادق، المطاعم، الحانات والشقق التي تؤجر لفترات قصيرة وغيرها. نتيجة لذلك، فقد نشهد بعد انتهاء تفشّي الوباء، ارتفاعاً في السياحة الداخليّة؛ بمعنى آخر، سيقوم الناس بالسياحة داخل بلدانهم بدل السفر إلى الخارج لقضاء عطلهم. أمّا السفر إلى الخارج، فإنّ استئنافه لن يتمّ قبل وقت غير قصير وبشكل تدريجيّ، بعد التأكّد من أنّ السفر بات آمناً.

بعد قطاع السياحة، يأتي على لائحة القطاعات الأكثر تضرراً، قطاع العقارات التجارية والبيع بالتجزئة. في ما يتعلّق بأسواق البيع بالتجزئة، وبعيداً عن الشركات التي تبيع الموادّ الأساسيّة مثل متاجر البقالة والصيدليّات، فإنّ المتاجر التي تبيع السلع غير الضروريّة، خصوصاً في المواقع الرئيسيّة (البرايم) حيث الإيجارات المرتفعة، فإنّ هذه المتاجر ستعاني أكثر من غيرها حيث ستواجه اليوم نقصاً في المبيعات قد يطول أمده بسبب الأزمة الاقتصاديّة اللاحقة. من ناحية أخرى، ستشهد تجارة التجزئة عبر الإنترنت نمواً كبيراً، الأمر الذي سيساعد الأسواق اللوجيستيّة على اللحاق بها؛ وستظهر نماذج جديدة وستبرز فرص إضافيّة، لا سيّما في ما يتعلّق بالشركات التقليديّة غير المتّصلة بالإنترنت والتي ستتحوّل لتصبح شركات عاملة عبر الإنترنت. بعد هذه الأزمة، سيتحوّل المستهلكون إلى الشراء عبر الإنترنت، وذلك لسرعة الخدمة وكفاءتها. ومن المحتمل أن نشهد ظهوراً وتطوراً لتطبيقات مختلفة، الأمر الذي سيؤدّي إلى تطبيع هذه الطريقة الجديدة في الشراء. بغضّ النظر عن النشاط التجاريّ، أصبح التواصل بين المالكين والمستأجرين الآن أكثر أهميّة من أيّ وقت مضى. إذ بات عليهم أن يقفوا الآن معاً، وأن يعطوا الأولويّة للبقاء لا للكسب الماديّ. أمّا في ما يتعلّق بالأراضي الزراعيّة، فإن الطلب في هذا القطاع سيكون الأكبر والأكثر أهميّة بعد الإغلاق الذي شهدته البلدان حيث ستتحوّل هذه الأخيرة إلى الإنتاج المحليّ وتسعى إلى أن تكون أقلّ اعتماداً على الواردات.

أمّا بالنسبة إلى القطاع السكنيّ، خصوصاً فئة المنازل الأساسيّة، فإنّي أعتقد أنّ هذا القطاع سيُظهر مستوى من المرونة مقارنةً مع القطاعات العقاريّة الأخرى. وفي الواقع، من المحتمل أن نشهد ظهور مبانٍ سكنيّة بتكلفات منخفضة إلى جانب دعم كبير من الحكومات من أجل خلق أنظمة جديدة في هذا الإطار، بعد الضغوط التي خلّفتها الأزمة الاقتصاديّة. أما الفئة الأخرى من المنازل، فستكون أكثر تأثّراً بسبب ارتباطها بالقطاع السياحيّ، وبحظر السفر المحتمل في المستقبل. مع ذلك، فإنّه لمن السابق لأوانه فهم ما سيكون التأثير الحقيقيّ في هذا الإطار.

أمّا القطاع الآخر الذي لا بدّ له أن يتأقلم مع "الوضع الطبيعيّ الجديد" فهو العيش المشترك. نظراً لاحتمالية ارتفاع خطر انتشار العدوى، فإنّ التصميم المكانيّ للمساحات المشتركة سيحتاج الى أن يعكس تطبيق التباعد الاجتماعي مع المحافظة على التماسك المجتمعيّ.

بالإشارة إلى سوق المكاتب، وحيث إن معظمنا مجبر على البقاء في المنزل وتخفيف الاجتماعات وجهاً لوجه، قد يتحوّل الناس إلى المنصّات الرقميّة من أجل الاستمرار في عقد مثل هذه الاجتماعات وإجراء التدريبات وتنسيق الأعمال. ستلجأ هذه الشركات على المدى الطويل إلى تطبيق هذا الخيار حيث تنخفض، وبشكل كبير، تكلفة النقل والإيجارات والمأكل وغيرها. في الواقع، لا بدّ أن يؤثّر ذلك على سلوك المستهلك على المدى الطويل بعد ارتفاع الطلب على العمل عن بعد وبعد ظهور تكنولوجيا التعاون. مع ذلك، فإنّه من غير المحتمل أن تشكّل هذه الممارسات تهديداً للطلب على المكاتب. على الرغم من حقيقة تأثير إجراءات الإغلاق على قطاع العمل المشترك بشكل كبير، إلاّ أنّنا سنشهد في المستقبل ومع إعادة فتح المرافق، ازدياداً في الطلب، كما سيكون الحال بالنسبة للعيش المشترك الذي سيستمرّ فقط في حال تكيّفه مع الواقع الجديد. وهنا يلعب التصميم المكانيّ دوراً بارزاً في نجاح العمل المشترك، فضلاً عن التدابير الصحيّة والتقيّد بمعايير النظافة.

ومن الضرورة معرفة أنّ طريقة تصميم المدن ستتغيّر، إذ إنّ موجة جديدة من التنظيم المدنيّ ستظهر، خصوصاً في المدن الأكثر اكتظاظاً، مثل نيويورك، لندن وباريس. إنّ تفشّي فيروس كورونا يغيّر طريقة عيشنا وعملنا ولعبنا بشكل سريع. مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة أنّنا نقضي 90% من وقتنا في الداخل، أي داخل المدارس، المكاتب أو الشقق، لا بدّ من القول إنّ الأسواق العقاريّة تلعب دوراً محورياً في خلق بيئات آمنة، وهي بالتالي تساعد في السيطرة على انتقال عدوى فيروس كورونا وفي المساعدة في منع تفشّي الوباء في المستقبل. بما أنّ العلاقة بين صحّتنا وبيئتنا أصبحت أكثر وضوحاً، فمن المرجّح أن نلحظ تركيزاً زائداً على المباني الصحيّة، بدءاً من التدفئة وصولاً إلى أنظمة التهوئة؛ بالإضافة إلى الاهتمام أكثر في ما يتعلّق بأسواق الضواحي السكنيّة.

بالرغم من سهولة تقييم الآثار قصيرة الأمد لفيروس كورونا (كوفيد 19) على الأسواق العقارية العالمية، إلا أنه من الصعب التنبؤ بالتأثيرات طويلة الأمد نظراً لتقلب الوضع على جميع المستويات في جميع أنحاء العالم. قد يكون هناك نموذج جديد يلوح في الأفق بعد إعادة التفكير في طريقة العيش والعمل وولادة مجالات لنماذج تشغيلية جديدة.

ما لا شكّ فيه أنّ بعض الأمور هي حقيقة أكيدة؛ فالتأقلم هو المفتاح، والأزمة تولّد الفرص. وبغض النظر عن التحدّيات التي يفرضها فيروس كورونا (كوفيد 19) على القطاع العقاري، فإنّ ما سيحدّد تأثير الوضع الحاليّ في حياتنا هو قدرتنا على التكيّف بسرعة مع الوضع المستحدث، وتحويل الأزمة إلى فرص. في الواقع، يمكن أن يكون اليوم هو الوقت الأفضل للاستثمار في العقارات. في النهاية، إنّ "الأوقات العصيبة تأتي بالصفقات الجيّدة".

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard