كيف يوحّد "كورونا" معايير السياسة الخارجيّة لبايدن وترامب؟

28 نوار 2020 | 20:36

المصدر: "النهار"

صورة مركّبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب والمرشّح الديموقراطيّ جو بايدن - "أ ب"

على خلفيّة التداعيات السياسيّة والاقتصاديّة لتفشّي "كوفيد-19"، يراقب العالم عن كثب استطلاعات الرأي الأميركيّة لتقدير هويّة الفائز المقبل بالانتخابات الرئاسيّة استعداداً لتقلّبات السنوات الأربع المقبلة. لكن بالرغم من الاختلاف الحزبيّ والشخصيّ بين الرجلين، ستلتقي سياساتهما حول نقاط مشتركة في الشؤون الخارجيّة. بذلك، يرجّح أن تزول خطوط فاصلة كثيرة بين توجّهاتهما أو توجّهات حزبيهما في هذا المضمار.


الصين

ستكون بيجينغ أبرز ملفّ خارجيّ يركّز عليه أيّ فائز في تشرين الثاني. وهي بدأت بذلك منذ فترة. استطاع ترامب جرّ بايدن والديموقراطيّين إلى ميدانه المفضّل في مهاجمة الصين. إنّ نجاح أيّ طرف بتصوير نفسه على أنّه من "الصقور" في مواجهة بيجينغ سيعزّز فرصه في كسب السباق.

لقد أعرب الإعلاميّ والكاتب السياسيّ في "واشنطن بوست" الدكتور فريد زكريّا عن استغرابه وقوع الديموقراطيّين في "فخّ" مهاجمة الصين، حتى أنّ حملة بايدن دخلت حملة مزايدة على حملة ترامب في الموضوع. من وجهة نظر الكاتب، ليس لهذه الاستراتيجيّة من معنى، إذ قد يكون ترامب راغباً بضرب النظام الدوليّ وتسريع تفكيك العولمة، لكنّ الديموقراطيّين يؤمنون بهذا النظام. ومع ذلك هم ينضمّون إلى ترامب في محاولة تقويضه.

لا يمكن التأكّد ما إذا كان بايدن يعتنق حقّاً سياسة متشدّدة إزاء الصين أم هو مجرّد تكتيك لتأمين الفوز. لكنّ النقاش الدوليّ حول مسؤوليّة بيجينغ في انتشار كوفيد-19 بسبب تلكّئها عن مواجهته في البداية قد يصعّب على بايدن مهمّة الانفتاح عليها لو كسب الانتخابات. حتى الرئيس السابق باراك أوباما أطلق سياسة الاستدارة نحو شرق آسيا. لهذه الأسباب، من المتوقّع أن يسيطر ذلك التوجّه على الإدارة المقبلة بغضّ النظر عن هويّة الرئيس. لكن لهذه الاستدارة أثمانها.


أكثر من مشكلة

تتطلّب سياسة احتواء تمدّد الصين في منطقتها الإقليميّة المزيد من القدرات العسكريّة الأميركيّة شرقيّ آسيا. إنّ إرسال المزيد من السفن البحريّة لتنفيذ هذه الاستراتيجيّة سيجبر واشنطن على تقليص قطعها البحريّة في أماكن أخرى مثل الشرق الأوسط. يضاعف هذا الإلحاح واقع أنّ خطر عودة التوتّر إلى شبه الجزيرة الكوريّة لا يزال قائماً.

بدأ باحثون يحذّرون الولايات المتّحدة من تخفيض الاهتمام بالشرق الأوسط لصالح تعزيزه حيال الصين، معترفين في الوقت عينه بأنّ الحفاظ على التوازن ما بين المنطقتين أسهل نظريّاً ممّا هو عمليّاً. لا خلاف حول أنّ بايدن سيكون متساهلاً مع إيران بالمقارنة مع ترامب. لكنّ حدود هذا التساهل ليست واضحة.

فمن جهة، هو يريد إنقاذ "إرث" أوباما المتمثّل بالاتّفاق النوويّ. لكنّه من جهة أخرى، قد يُجرّ إلى فخّ مشابه للفخّ الصينيّ فيزداد تشدّده تجاه إيران. على سبيل المثال، في 2 نيسان الماضي، أصدر بايدن بياناً دعا فيه الإدارة الأميركيّة إلى اتّخاذ عدد من الإجراءات كي تخفّف تداعيات "كورونا" على إيران. لكنّه لم يذكر رفع العقوبات. وأشار إلى أنّ الحكومة الإيرانيّة استخدمت "الكذب وإخفاء الحقيقة عن شعبها، وهي تواصل التصرّف باستفزاز في المنطقة".

في نهاية المطاف، قد لا يكون بايدن أو ترامب مضطرَّين إلى الحفاظ على التوازن الدقيق بين الشرق الأوسط ومنطقة شرق آسيا، طالما أنّ الأولويّة ستكون على الأرجح للأخيرة. من ناحية أخرى، بدأ "مجلس العلاقات الخارجيّة" يطالب واشنطن بأن "تقلّص انخراطها في الشرق الأوسط" مقابل تعزيز تحالفاتها مع أوروبا والهند و"إيقاف التدهور في ميزان القوّة مع الصين." كما طالب المركز بانفتاح "مشروط" على روسيا.


أيّ سياسة تجاه روسيا؟

قد يكون هذا الانفتاح شرطاً آخر لنجاح أيّ إدارة في مواجهة الصين. تراهن موسكو نفسها على أن تشكّل صلة وصل أو نقطة توازن بين الصين والأميركيّين. لهذا السبب، من المحتمل أن تعمل الإدارة المقبلة على تخفيف الضغط عن روسيا من أجل تفكيك أيّ تحالف محتمل بين موسكو وبيجينغ. هنالك مؤشّرات أوّليّة تظهر أنّ روسيا غير منخرطة في تحالف كامل مع جارتها في الصراع الدائر حول كوفيد-19.

ليس هنالك من قرار واضح في موسكو بشنّ حرب إعلاميّة أو دعائيّة تتّهم الأميركيّين بالتسبب بانتشار الوباء، كما فعلت الصين، على الرغم من أنّ بعض الإعلام الروسيّ نقل أخباراً كهذه. بالمقابل، برز خلاف بين الصين وروسيا حول إغلاق الحدود خلال المرحلة الأولى من تفشّي كوفيد-19 لكن أمكن الدولتين احتواؤه.

قد لا تصبّ جميع التوقّعات في صالح إعادة إطلاق مسار علاقات جديدة بين الولايات المتّحدة وروسيا، خصوصاً بعد انسحاب ترامب من "معاهدة السماوات المفتوحة". وفي حال فشل تجديد معاهدة "ستارت"، يصبح احتمال فتح صفحة جديدة بين البلدين أصعب. لكن بالحدّ الأدنى، سيشكّل الصراع الأميركيّ-الصينيّ ضابطاً للتوتّر الأميركيّ-الروسيّ لتفادي الانزلاق إلى دوّامة تصعيديّة غير مناسبة في عالم ما بعد كورونا.

اتّجاهات متناقضة

ثمّة ملفّات سياسيّة قد تكون احتمالاتها أقلّ وضوحاً اليوم. العلاقات العابرة للأطلسيّ واحدة منها. أظهر ترامب ميولاً حمائيّة خلال ولايته الأولى حتى أنه لم يمتنع عن إطلاق تهديدات بفرض رسوم جمركيّة على السيّارات الأوروبّيّة في كانون الثاني. وشكّل توقّف واشنطن عن دفع مساهمتها إلى منظّمة الصحّة العالميّة نقطة خلاف جديدة مع الأوروبيّين، باعتبارها شكلاً آخر من أشكال ازدراء المنظّمات الدوليّة.

من ناحية ثانية، سبق أن تراجع ترامب عن توصيفه بأنّ حلف شمال الأطلسيّ "عفا عنه الزمن" بما يعني أنّ حمائيّته ومهاجمته لمؤسّسات ونظام ما بعد الحرب العالميّة الثانية ليسا مطلقين. قد يفضّل الأوروبيّون فوز بايدن في تشرين الثاني لكونه من مؤيّدي الشراكة الأطلسيّة بعيداً من الحسابات الماليّة الضيّقة التي يبديها ترامب من حين إلى آخر. غير أنّ هذا التوجّه لن يكون مضموناً لدى بايدن، بما أنّ "كوفيد-19" دفع العالم لا شعوريّاً إلى الانغلاق واهتمام كلّ دولة بشؤونها الخاصّة إلى حدّ بعيد.

لن ترتبط السياسة الخارجيّة الأميركيّة المقبلة بأفكار الرئيس بمقدار ارتباطها بحجم التحدّيات المشتركة. فكوفيد-19 سيزيد الضغط على علاقات واشنطن مع حلفائها كما ضغطُ منافسي وأعداء الولايات المتّحدة على الإدارة المقبلة. بدءاً بالصين مروراً بروسيا وإيران وكوريا الشماليّة وفنزويلا وصولاً إلى التنظيمات الإرهابيّة، سيتعامل الرئيس المقبل مع ملفّات تزداد صعوبة بفعل جائحة كورونا.

سيكون عليه موازنة اتّجاهات متناقضة تدفعه إلى تقديم مصلحة بلاده وشعبه أوّلاً في عالم يعاني للخروج من تداعيات كوفيد-19. بالمقابل، عليه أن يبرز قيادة أميركيّة دوليّة في حال أراد مواجهة تعاظم النفوذ الصينيّ، وهذا أمر يناقض الاتّجاه الأوّل. لهذا السبب، قد تكون ولاية 2020-2024 أصعب ولاية على أيّ رئيس أميركيّ منذ عقود.

أزمة الجوع في لبنان: هل تنتهي قريباً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard