كانّ دورة كورونا - هدى إبرهيم: عالم من السحر انفتح أمامي

26 نوار 2020 | 22:52

المصدر: "النهار"

هدى إبرهيم مع المخرج التركي نوري بيلغي جيلان في كانّ.

في مناسبة الدورة الملغاة من مهرجان كانّ السينمائي (بسبب تفشّي وباء كورونا)، نجري "تغطية" هي بمثابة تحيّة للمهرجان في عنوان "كانّ - دورة كورونا"، تتضمن حوارات ومقالات. أردناها فرصة للعودة في الزمن إلى الوراء، إلى بضع سنوات خلت، لنستعيد شيئاً ممّا نحب في هذا الحدث الكبير، من خلال الذين واكبوه على مدار سنوات. انها فرصة لنعود إلى كانّ، ولو عبر الذاكرة، لنكتب فيه ما لم نكتبه في الماضي، ما لم يسعفنا ضيق الوقت لكتابته. طوال ١٢ يوماً، أي حتى الـ٢٣ من الجاري (وقد يمتد أسبوعاً اضافياً)، سننشر سلسلة مقابلات مع صحافيين ونقّاد يروون تجربتهم في المهرجان. "دورة كورونا" هذه، إن صحّت تسميتها كذلك، هي مناسبة لنبش دفاتر كانّ، في انتظار طبعة ٢٠٢١. في الآتي، مقابلة مع الصحافية والناقدة السينمائية اللبنانية هدى إبرهيم التي تحضر كانّ منذ نحو ثلاثة عقود.

* بدءاً من أي عام بدأتِ تحضرين كانّ، وهل من انطباع أو صورة من دورتك الأولى تحتفظين بها في ذاكرتك الشخصية؟

- أول مرة تمكنتُ فيها من حضور كانّ كانت في العام ١٩٩٢. أتذكّر أني كنت طالبة دراسات عليا، وأكتب في الوقت نفسه مواضيع ثقافية بشكل مساهمات مستقلة لصحف عدة، منها “الشرق الأوسط”. وقتذاك شجّعني على الذهاب، الصديق الراحل قصي صالح الدرويش الذي كان يشرف على الصفحة السينمائية في الجريدة. قال لي: "لا يمكن ان تصبحي ناقدة سينمائية إن لم تحضري كانّ". كنت أتوق إلى ذلك وأنتظر الفرصة. وهكذا بدأت رحلتي مع المهرجان بدعم ودفع منه. طبعاً، كان حلماً تحقق، وكانت دهشة اللقاء لأول مرة مع كمية معتبرة من أفضل إنتاجات العالم في فترة زمنية مختصرة. لقاء مختلف عن تلقيك لفيلم في صالة تجارية أو عرض صحافي. كانّ يجعل للتلقي معنى آخر مختلفاً. في حضوري الأول لكانّ، كنت على تماس مباشر مع مخرجين كبار وأعمالهم. أتذكّر انبهاري بـ"أفضل النيات" لبيل أوغست الذي نال "السعفة". كانت هناك أسماء أخرى لمخرجين صنع بعضهم مجد المهرجان وتألقه: ديفيد لينتش، راوول رويز، روبرت ألتمان، بافل لونغين، سيدني لوميت وأرنو دبلشان الذي عرض له المهرجان يومذاك فيلمه الأول. كان ذلك بمثابة عالم هائل من السحر والألق ينفتح أمامي. ثم عاماً بعد عام، تتعلم أبجديات المهرجان، خصوصيته وريادته، فهو الذي أعطى سينمائيين كباراً من العالم أهمية أكبر لهم في بلادهم، بعدما حضروا بأفلامهم إلى المهرجان، من وودي آلن إلى عباس كيارستمي وآخرين. الكمية المهمة من الأفلام الجديدة والمنتقاة بعناية لتمثّل أفضل الانتاج العالمي، تجدها أمامك وما عليك الا ان تأخذها. المهرجان كان ولا يزال بالنسبة لي مدرسة تعلمتُ منها الكثير وتدرّجتُ في استيعاب هذا الفنّ، وتدرّبتُ من خلالها على الكتابة. بالاضافة إلى الأفلام، هناك الندوات والمؤتمرات الصحافية التي تثريك، وجميعنا يسعد ويراقب طقوس السجّادة الحمراء والأناقة التي تفرضها. أتذكّر أنني في الأعوام الأولى، كنت أشاهد ستّة أفلام يومياً. "حزين ووقع في سلة تين"، كما يقول المثل عندنا. لم أكن لأضيع وقتاً، وكنت لا أزال في طور التعرف إلى السينما العالمية وإلى أعمال كبارها في أحدث إنتاجاتهم. في التسعينات، كان النجوم يتجولون في شوارع المدينة بين الناس، الذين كثيراً ما كانوا يتحلقون من حولهم أو يسيرون وراءهم، في ما يشبه التظاهرة. كان هناك أيضاً الكثير من الشابات الجميلات، هاويات التمثيل (ستارليت)، يأتين إلى المدينة خلال المهرجان، ليعرضن أنفسهن على المصوّرين، عسى ان يبتسم الحظ لهن، وهذه الظاهرة اختفت تماماً مع الوقت. عموماً، في مهرجان كانّ يتملكك إحساس من خلال عملك ومتابعتك بأنك تساهم في صنع حدث كبير ما، وبأنك جزء من هذا الحدث الذي يصوّر عالماً موازياً لعالمنا بكلّ تماهياته واحتمالاته وصوره. المهرجان أتاح لي في السنوات الأولى الالتقاء عن قرب بعدد مهم من المخرجين العرب، وخصوصاً من المغرب. آنذاك كانت أعمال كثيرة لهؤلاء توزَّع في الصالات الفرنسية، وكنت بدأتُ الكتابة عنها. مهرجان كانّ يوثّق هذه العلاقة أيضاً وهو يعني أنك تحيا وتتنفس سينما. تأكل وتشرب وتنام وأنت مسكون بشغف الآتي، تبحث دائماً عن الفيلم الأفضل على مدى العروض والأيام. هذا فضلاً عن الشغف، وعن اللقاء الضخم بين كلّ المعنيين بالسينما في العالم، وما ينشأ عن ذلك من تفاعل لا مثيل له.

* هل تغيّر كانّ كثيراً منذ أول مرة شاركتِ فيه؟

- نعم بالتأكيد. تغيّر المهرجان كثيراً، وهو تغيّر محكوم طبعاً بتطور الزمن والتحولات السريعة التي يشهدها العالم. في مطلع التسعينات، كنّا نكتب المقالات باليد ونرسلها بالفاكس إلى الصحف التي نعمل فيها. أتذكّر ان "الشرق الأوسط" كانت تصدر صفحة يومية وأحياناً صفحتان عن المهرجان، يشارك فيها نقّاد أساتذة مثل إبرهيم العريس وكمال رمزي والراحلون علي أبو شادي وسمير فريد وغسّان عبد الخالق وآخرين كنت من بينهم. تعلّمتُ كثيراً بجوار هؤلاء الكبار الذين سبقوني إلى النقد السينمائي وإلى كانّ. كانت اللقاءات بالفنانين تتم بطريقة أسهل، وكان عدد الصحافيين الذين يغطّون المهرجان أقل، سواء من العرب أو سائر الجنسيات. كان يمكنك ان تتحدّث مع مخرج معيّن لدقائق في الشارع. لكن، بعد سنوات على بداية مشواري مع المهرجان، بدأت العلاقات تختلف والحواجز تنصب. واليوم، حين تطلب مقابلة مع اسم كبير، لا يُسمح لك بلقائه لأكثر من دقائق. سابقاً، كانت هذه المسائل أقل تعقيداً، وكنت تملك وقتاً مريحاً عند لقائك بالفنان. لكن جوهر المهرجان لم يتغير، وكانّ لا يزال وفياً لرسالته من ناحية كونه الأقدر والأول في تقديم الأهم والأجود في السينما العالمية. وفضلاً عن تقديمه هذه السينما، فهو يسبغ عليها قيمة مضافة، يسبغ عليها هالة تنبع تحديداً من المتابعة والنقد والصدى الكبير والزخم الذي يواكب عرض أي فيلم في المهرجان.

* كانّ مهرجان فيه الكثير من الضغط والإرهاق. كيف توزّعين وقتكِ وجدول عملكِ عادةً لتستطيعي الخروج بأفضل حصيلة في ظلّ كلّ هذا؟

- نعم، كانّ فيه الكثير من الضغط والعمل، لكنه في الوقت نفسه يزوّدك طاقة خاصة، ويضعك أمام تحدي ان تختبر قدرتك على التحمّل والاستمرار حتى نهاية ماراتون العروض. عادةً، وسط الضغوط تكبر قدرتنا على العمل، ولا خيار أمامك الا ان تكمّل السباق حتى النهاية. في كانّ، أنت في مواجهة أحدث الأعمال السينمائية في العالم وأهمها. أمام أسماء لمخرجين من الطراز الأول، ولبعضهم باع طويل مع المهرجان، لذلك فالكتابة أو العمل للإذاعة، يتحوّل إلى متعة حقيقية رغم الضغوط. في السنوات الأخيرة، حافظتُ على معدّل مشاهدة لأربعة أفلام في اليوم. أحياناً، تجد نفسك متنازعاً بين ان تحضر فيلماً أو ان تذهب لإجراء مقابلة. أيضاً، قد تجد نفسك محتاراً بين مشاهدة فيلم في "نظرة ما" وآخر في "أسبوعا المخرجين" أو "أسبوع النقّاد". هذه المشكلة حُلَّت قبل بضع سنوات، لأن التظاهرتين يُعاد عرضهما بالكامل في باريس، بعد المهرجان.

* إلامَ تستندين لاختيار الأفلام التي تريدين مشاهدتها؟ اسم المخرج؟ ما سمعتِ عنها؟ توقيت العرض؟ القسم الذي تُعرض فيه؟…

- اسم المخرج مهم جداً طبعاً، لكني أحاول ألا أفوّت فيلم المسابقة الرسمية الذي يُعرَض في الثامنة والنصف صباحاً، مهما أطلت السهرة. مشاهدة هذا الفيلم الأول ينظّم نهارك. لا أعتمد البتة على ملخص الفيلم، بل إني أرفض قراءة الملخص قبل المشاهدة. هذا يفسد عليَّ متعة الاكتشاف وإمكان الانزلاق إلى عالم تكتشف سحره لحظة بلحظة من دون مقدّمات. لا أحب البتة ان أتكلّم في الفيلم مع أي من الأصدقاء أو الزملاء إن لم أكن قد شاهدته بعد. أسأل بعبارة مقتضبة فقط: جيد أم لا؟ لكني أذهبُ لمشاهدة الفيلم أياً كان الجواب. وكما أسلفتُ، باتت مشاهداتي تقتصر على المسابقتين الرسميتين، ما يتيح لي مشاهدة كلّ شيء تقريباً. كلّ دورة أشاهد فيها ما يزيد على الأربعين فيلماً خلال المهرجان، وما يزيد على الثلاثين بعده، يعني في ظرف شهر أشاهد مونة العام.

* هل توافقين أن أهم أفلام العام تُعرَض عادةً في كانّ؟

- مئة في المئة، من دون نقاش (…). كانّ لا معادل له، وهذا اعتقاد سائد وراسخ لدى كثيرين منّا. هو الوحيد، بلا شك، الذي يمتلك الوصفة السحرية للنجاح. أعتقد ان ذلك نابع أيضاً من كلّ ما قدّمته وتقدّمه فرنسا للثقافة عموماً وللفنّ السينمائي المستقل خصوصاً، وللإنتاج المشترك أيضاً رغم بعض الجوانب السيئة لهذا الانتاج. كانّ بالنسبة لي نوعاً من بوصلة أو مؤشر يدلّنا على الملامح الجديدة في تاريخ صناعة السينما عالمياً. ان تشارك في هذا المهرجان، يعني ان تعطي نفسك شرعية تناول هذا الفنّ وهذه الصناعة من الباب الأوسع.

* هل في بالك لقاء ترك فيكِ أثراً عميقاً يمكنكِ أن تشاركيه مع القراء؟

- طبيعة عملي في الإذاعة والقسم العربي في "فرانس برس" كانت تحتم التوجّه إلى المخرجين العرب، وقد أجريتُ مقابلات لعدد كبير منهم في كانّ منذ التسعينات. في تلك السنوات، كان من الممكن ان تلتقي بالمبدعين في بعض أجنحة القصر. وهذا اختفى من فترة لا بأس بها، بل ان الفصل صار تاماً، وأصبح للصحافيين ناديهم الخاص بهم. أتذكّر مرةً، حين قدّم يوسف شاهين "المصير"، كان حاضراً مع مخرجين أفارقة في احدى الصالات المطلة على البحر، وكنت من ضمن الجلسة، ودار نقاش حول معضلة تمويل الأفلام الافريقية والإنتاج المشترك. كانّ هو هذا النوع من التفاعل أيضاً. ذلك النقاش لا يزال يطرق في رأسي إلى اليوم، ولا أزال لا أفهم لماذا لا نستطيع كعالم ثالث ان نعتمد على إنفسنا في إنتاج أفلامنا!

* هل من فيلم أغضبكِ فوزه بـ"السعفة"؟ وفيلم أسعدكِ فوزه بها؟ وهل تولين عادةً أهمية للجوائز، أم أن هذا شأن ثانوي بالنسبة اليك؟

- أغضبني فوز "ديبان" لجاك أوديار في العام ٢٠١٥. رغم حبّي الكبير لهذا المخرج ولأعمال أخرى له مثل "نبيّ" أو "الاخوة سيسترز". في نظري، "ديبان" لم يكن يستحق "السعفة"، لكن تم التعاطف مع القضية التي يطرحها وهي قضية المهاجرين. منحه "السعفة" آنذاك، أغضب الكثير من النقّاد، خاصة ان أفلاماً أخرى لمخرجين كبار كانت تستحق الجائزة تلك أكثر منه. في بعض الدورات، كان هناك توافق بين النقّاد ولجنة التحكيم حول "السعفة"، كما حصل في العام الماضي حين مُنحت للفيلم الكوري الجنوبي "بارازيت" أو العام الذي سبقه مع فيلم "سارقو المتاجر". عموماً، أنا مع الجوائز لأنها تكرّس السينمائيين خاصة في مهرجان مثل كانّ، وهي تجعل الاقبال على مشاهدة الفيلم يزيد في كلّ بقاع الأرض. هذا، وفي الحين نفسه، هناك عباقرة مثل هيتشكوك أو برغمان أو غودار حُرموا من "السعفة"، قبل ان يتدارك المهرجان نفسه ويمنح "سعفة السعف" (جائزة تكريمية) لبرغمان عام ١٩٩٧، في الدورة الخمسين، ويمنح "سعفة خاصة" لغودار قبل سنتين، وهذا ما وصفه المخرج حرفياً بالـ"نكبة".

* ألا تملين من العودة إلى كانّ كلّ عام؟ هل شعرتِ يوماً بالتكرار وفكّرتِ بعدم العودة؟

- لا، لا أملّ من المهرجان. ما أتعبنا جميعاً في الفترة الأخيرة هي الإجراءات الأمنية المشددة مع كلّ دخول إلى الصالة وخروج منها. وبما أننا نقضي وقتنا في الصالات، صار الدخول في كلّ مرة يتطلب وقتاً أكثر وصبراً أكبر. هذا يقلل من الحماسة والمتعة، ويكون مرهقاً أحياناً. في برلين، لا توجد مثل هذه الإجراءات، ولا في البندقية في مثل هذا الشكل. أما بالنسبة للأفلام، فليس هناك تكرار وإنما تجديد. بين أول فيلم شاهدته لغودار في كانّ وفيلمه قبل عامين، هناك الكثير من الاختلاف، خاصةً على مستوى الشكل. هذا هو كانّ، هذه المسارات المختلفة لفنانين من العالم، لكن مع تحوّل دائم ضمن هذه المسارات وبحث لا يني يحدد في كلّ مرة ماهية السينما، ويقودنا إلى احتمالاتها الأجمل.

* هل من دورة حفرت في ذاكرتكِ أكثر من غيرها؟

- تبقى الدورة الأولى التي حضرتها هي الأجمل. لأنها دورة الاكتشاف؛ دورة الدهشة أمام هذه الكمية من الأفلام ذات الجودة العالية. لكني أحب كثيراً دورتي ٢٠١٦ و٢٠١٨. في الأولى، فاز "أنا، دانيال بلايك" لكَن لوتش بـ"السعفة"، وفي الثانية "سارقو المتاجر" لهيروكازو كوريه إيدا، وفي كلتا الدورتين كان هناك العديد من الأفلام التي تمثّل أفضل ما أُنتج سينمائياً في العالم.

* هل كنت فضّلتِ أن يُعقد مهرجان كانّ افتراضياً هذا العام، بدلاً من أن يُلغى؟

- لا، لا أعتقد ان المهرجانات الكبيرة بمضمونها ومعناها يمكن ان تُنظَّم افتراضياً. نعم، هناك عدد من المهرجانات نُظِّم افتراضياً، لكنها تظاهرات صغيرة أو خاصة بالفيلم الوثائقي، وكانت مفتوحة فقط أمام عدد محدود من الناس يقطنون الدولة نفسها حيث يُقام المهرجان. لا أعتقد انه في وسع كانّ فعل ذلك بمشاركة نحو ٤٥٠٠ صحافي. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، العروض الافتراضية تتطلب عملاً وجهوزية مختلفة، كما تتطلب موافقة المنتجين. لا أعتقد ان أياً من المهرجانات الكبيرة سيقدم على العروض الافتراضية. هذا أمر غاية في الصعوبة. القضية اذاً ليست مع أو ضد؛ المسألة هي ان تكون واقعياً ومدركاً، رغم احساسك بالقهر بأن هناك شيئاً كبيراً ينقصك. لكني، كما الكثير من الزملاء، نراجع في هذه الأثناء كلاسيكيات السينما ونشاهد ما فاتنا. قد يكون لذلك فائدته، وحتى طبيعة المهرجانات قد تتغير مستقبلاً. مَن يدري؟

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard