"جنون البقر"... والواشون

23 نوار 2020 | 08:14

المصدر: النهار

نفّض ياقته ببهلوانية فريدة، حاول أن يستجذب بالحركة، نظر إلى الذين تحلّقوا حوله من قروييه

نفّض ياقته ببهلوانية فريدة، حاول أن يستجذب بالحركة، نظر إلى الذين تحلّقوا حوله من قروييه، وزاد: "ندخل على الله!".

شدهت الأفواهُ والعيون والملامح، والأجواء تنتظر، بل تحضّه على أن يبحر في التفاصيل.

هو لم يُرَبَّ، كما يزعم، أن يكون فظ القلب، وليس من شيمه، من ثم، أن "يمرمر" الآخرين، أو يلعب بأعصابهم، أو يشقلبهم بأيٍّ من الوجوه، لذا فقد تعجّل، يكسر ما طغى، من صمت مباغت رتيب، وتمتم "يبقُّ البحصةَ": أغلب الظن، أن "الجنون" تمكّن من بقرات جارنا.

قاطعه أحد القعود، من دهشته: جنون البقر في قريتنا؟! ارتعب آخر: سترك يا رب! غمغم ثالث: علينا أن نعمم أمر الآفة ونحتاط؛ أعني، أن نقاطع عائلة الجار صاحب البقرات... وهكذا دواليك.

لم تَرُقْ المآلات له. أرعبته. خاف من المفاقمة، فدقّق، ما إن أدرك ورطته، حساباته: يا ولد ارجع. شدّدَ على نفسه: "لا بد من ترميم ما أفسدتُه". حاول وهو يؤوب إلى رشده، أن يخفي خيبته بقهقهة فبركها، وترجّى: يا جماعة الخير تريثوا... لا تذهبوا بعيداً، ما قصدتُ، والله، إلّا أن أداعبكم.

بعض الجلوس هأهأ ملء رئتيه، بعض اكتفى بابتسامة باهتة، وآخرون انسحبوا من مجالسته، مؤاخذين: هذا ميدان، ليس للدعابة ولا للقهقهة!

وهلعتْ بعد سويعات القرية؛ ترجرجَ الأهلون كدِيَكَة مذبوحة: ساد أول الأمر، لتٌّ وعجنٌ خفيف، ثم اشتعلت الوشوشات؛ سرتْ كما النار في الهشيم.

تدافع في أعماق الرجل، رفضٌ واستفزاز وندم، ومشاعر أخرى متناقضة، قادت من هولها نفْسَه، إلى عُقَد، فقبَّ على المُروِّجين: كفّوا يا قرود! تحدّاهم: البقرات أعقل من أمهاتكم وأكثر لياقة، والله، منهن!

الحال تردّى، وبينما الحصار يلتهب على الجار المغبون، إثر وشايات جائرة وفِرىً، انتفض ذات فجر، يتراقص على فراشه: وجدتُها وجدتُها!

فركتْ امرأته عينيها من نعاس محكم: هل جننت؟!

ـ بل قومي، عجّلي الفطور.

واستدعى "وشاة" القرية، ومفترييها كلهم: أنتم مدعوون، يا كرام، عندي على وليمة. وأولمَ: هذا ثريد شهي لعجل ابتعته من جارنا لكم.

أسال الضيوف لعابهم؛ انكبوا على وليمة "العجل المجنون"، دون أن يمتنع أحدهم، أو يبدي رغبة في امتعاض، أو تخوف، أو حتى شكوك.

المضيف بشّر كذلك: قرر جارنُا أن يوزع حليب بقراته، لأسبوع كامل بالمجان على القرية. ثم راقب في اليوم التالي، تدافع الناس على حليب "البقر المجنون"... انفرد، وهو يطلق دخان السيجارة من جوفه، بأحد الوشاة: هل ما زلت تصرُّ، على نحر البقرات، وحرق هيكلها مثل موتى الهنود؟ احمرّتْ وجنة الواشي: تلك كانت دعابة.

ـ دعابة... يا لك من مخلوق عجيب!


ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard