أين يستفيد بوتين من مغادرة ترامب “معاهدة السماوات المفتوحة"؟

22 نوار 2020 | 18:12

المصدر: "النهار"

الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في قمة العشرين، الأرجنتين 2018 - "أ ف ب"

"هذا جنون". بهذه التغريدة، وصف المدير السابق لوكالتي الأمن القوميّ والاستخبارات المركزيّة الجنرال مايكل هايدن خطوة الإدارة الأميركيّة بالانسحاب من معاهدة أخرى مرتبطة بتقييد سباق التسلّح. ففي خطوة غير مفاجئة، وبعد انسحاب بلاده من "معاهدة القوى النوويّة المتوسّطة المدى" مع روسيا السنة الماضية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب مغادرة بلاده "معاهدة السماوات المفتوحة" متّهماً روسيا بخرقها. 

كانت التقارير الأميركيّة قد بدأت تذكر نيّة الإدارة الحاليّة بالخروج من المعاهدة الصيف الماضي. من جهتها، أعلنت موسكو أنّ الخطوة الأميركيّة "ضربة" لأمن أوروبا. سمحت المعاهدة لروسيا والولايات المتّحدة بتسيير طائرات استطلاعيّة غير مسلّحة فوق أراضيهما للتأكّد من عدم وجود تطوير لأسلحة سرّيّة أو تحضير لشنّ اعتداءات.

واشنطن "الأكثر استفادة"

سلكت المعاهدة مساراً طويلاً قبل أن تبصر النور وتدخل حيّز التنفيذ سنة 2002. فقد كان الرئيس الأميركيّ دوايت أيزنهاور أوّل من اقترح الفكرة في خمسينات القرن الماضي، قبل أن ينجح جورج بوش الأب بدفع 34 دولة للتوقيع عليها. تنصّ المعاهدة على وجوب قبول الدول الأطراف ب "كوتا سلبيّة" تسمح بعدد محدّد لتحليق الدول المستطلِعة فوق أراضيها وفقاً لمساحتها الجغرافيّة. أمّا "الكوتا الإيجابيّة" فترتبط بعدد الطلعات التي يحقّ لها تسييرها في أجواء الأطراف الأخرى.

ليس من الضروريّ أن تستنفد كلّ دولة حصّتها السنويّة من عدد الطلعات. حتى أوائل حزيران 2016، أجرت الولايات المتّحدة طلعات استطلاعيّة فوق روسيا أكثر بما يقارب ثلاث مرات من تلك التي قامت بها روسيا فوق الأراضي الأميركيّة. ويحقّ لكلّ واحدة منهما 42 طلعة سنويّاً. وبين 2002 و 2019، أجرت الدول المشاركة أكثر من 1500 طلعة استطلاعيّة متبادلة في أجوائها.

لهذا السبب، يرى البعض أنّ واشنطن هي الأكثر استفادة من الاتّفاقية بالمقارنة مع موسكو. قالت كبيرة مديري السياسات في "مركز الحدّ من التسلّح وعدم الانتشار" ألكساندرا بيل إنّ الإدارة أكثر ارتياحاً بكثير إزاء تدمير ومغادرة الاتّفاقات من بذل المزيد من الجهد لإصلاحها. وتابعت: "لقد صنعوا من نقض المعاهدات رياضة حقيقيّة." انتقدت بيل الذين يقولون إنّ روسيا تستفيد بشكل أكبر من تلك المعاهدة مشيرة إلى أنّ ذلك لا يتطابق مع الواقع: "كنّا نحصل على معلومات عن روسيا أكثر بكثير ممّا كانوا يحصلون عليه حولنا على الإطلاق. عموماً، كانت المعاهدة تصبّ في مصلحة أمننا القوميّ."

اتّهامات

توقّع الرئيس الأميركيّ أن تقبل روسيا بتوقيع اتّفاقيّة جديدة بعد خطوته الأخيرة نافياً أن يؤدّي قراره إلى توتّر مع الروس: "أعتقد أنّنا سنحصل على علاقة جيّدة جداً مع روسيا." وقال وزير خارجيّته مايك بومبيو إنّه لولا أخذ مخاوف الأوروبّيّين بالاعتبار، لكانت الولايات المتّحدة قد انسحبت من الاتّفاق منذ زمن طويل. وتحدّث عن أنّ بلاده ستكون فعلياً خارج المعاهدة بعد ستّة أشهر لكنّه استدرك بالإشارة إلى أنّ واشنطن ستعيد درس قرارها في حال عادت روسيا "إلى الامتثال الكامل" للمعاهدة.

وتتّهم وزارة الدفاع روسيا بأنّها فرضت قيوداً على التحليق فوق كالينينغراد وضمن 10 كيلومترات من الحدود الجورجيّة-الروسيّة ومنع التحليق فوق تدريبات عسكريّة كبيرة السنة الماضية كما منع التصوير لتمارين عسكريّة أخرى. وبموجب المعاهدة، تعدّ جميع أراضي الدول الأعضاء خاضعة لإمكانيّة الاستطلاع من دون استثناءات.

تنصّ المعاهدة على وجوب إخطار الدولة المستطلِعة الدولة المضيفة قبل 72 ساعة على أن تبلغها قبل 24 ساعة بالمسار الجوّيّ الذي تريد الالتزام به، كي تستطيع الدولة المعنيّة تعقّب الطائرة الاستطلاعيّة. كما تخضع الطائرة للتفتيش والتأكّد من عدم إمكانيّة تغيير أيّ من المعدّات التقنيّة المستخدمة للتصوير الفوتوغرافيّ، قبل السماح لها بالتحليق. بعد عمليّة الاستطلاع، تتشارك الدولة المستطلِعة معلوماتها مع الدولة المضيفة وبإمكان سائر الدول-الأطراف في المعاهدة الحصول على تقرير عن المهمّة أو شراء الصور التي تمّ التقاطها. وقد تُوافق الدولة المضيفة على استخدام الطرف المستطلِع طائرته الخاص أو تأجيره طائرتها.


هل فقدت قيمتها؟

أحياناً، تستطيع الأقمار الاصطناعيّة كشف معلومات وتفاصيل لا تستطيع الطائرات الاستطلاعيّة جمعها، لكن ليس لدى جميع الدول المشاركة الإمكانات نفسها في إطلاق الأقمار الاصطناعيّة. علاوة على ذلك، تقرّب المعاهدة بين الدول الأعضاء عبر بناء ثقة متبادلة ناتجة عن تعاملها بشفافية مع بعضها البعض وفقاً لمؤيّديها. لكنّ مناهضيها في الولايات المتّحدة يشدّدون على أنّها لم تعد بحاجة لها بفضل تطوّر أقمارها الاصطناعيّة بما يمكّن تحويل الأموال المخصّصة إلى مجالات عسكريّة أخرى.

الخبير البارز في شؤون حظر الانتشار والباحث غير المقيم في معهد "بروكينغز" ستيفن بايفر يردّ على هذا الادّعاء بالإشارة إلى أنّ الطائرات تتمتّع بمرونة أكبر من الأقمار المقيّدة بمدارات محدّدة، كما أنّها تستطيع التحليق تحت الغيوم ممّا يعطيها صوراً أوضح.

ويضيف أنّ واشنطن اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعيّة للقول إنّ روسيا خرقت "معاهدة القوى النوويّة المتوسّطة المدى"، لكنّها لا تستطيع إظهارها لسرّيّتها، بينما صور الطائرة تقدّم دليلاً مؤكّداً. وذكّر بأنّ واشنطن ردّت على خرق موسكو للاتّفاقيّة عبر منعها من التحليق في مناطق معيّنة مثل هاواي، وبذلك تكون واشنطن قد ردّت بالمثل من دون أن تغادر الاتّفاقيّة.


أيّ موقف روسيّ محتمل؟

قال مصدر أوروبّيّ لموقع "ديفنس نيوز" الأميركيّ إنّه بإمكان روسيا البقاء في المعاهدة واتّخاذ موقع أخلاقيّ مترفّع عبر القول إنّها لا تزال تحترم تعهّداتها الدوليّة. لكنّه لم يستبعد أيضاً انسحابها على قاعدة انتفاء أهمّية تلك المعاهدة، مشيراً إلى أنّه في كلتا الحالتين، سيكون الأمر سيّئاً بالنسبة إلى حلف شمال الأطلسيّ.

لكن ثمّة احتمال كبير في إبقاء موسكو على التزامها بالمعاهدة إضافة إلى الموقف المعنويّ. فبايفر أشار إلى أنّها ستكون لا تزال قادرة على التحليق فوق مراكز عسكريّة أميركيّة مهمّة في دول الاتّحاد الأوروبّيّ، لو بقيت في المعاهدة.

فهل يميل الروس إلى هذا الخيار؟ أم أنّهم سيفضّلون التفاوض على معاهدة جديدة تسمح لهم بالعودة إلى مراقبة الأراضي الأميركيّة عن كثب؟ قد لا يحصل العالم على جواب قبل الانتخابات الرئاسيّة المقبلة.

من الآن فصاعداً، "نتفلكس" في لبنان مسموحة لفئة معينة فقط!



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard