عظةٌ "كورونيَّة"

22 نوار 2020 | 11:27

المصدر: "النهار"

الرجاء في زمن كورونا (تعبيرية- أ ف ب).

قام الخوري أنطوان عن مائدة الغداء على غير رضًى. وبرغم أنَّه أكل حتّى اكتظّ، إلاّ أنَّ المائدة لمّا تزل عامرة زاخرة بما لذَّ وطاب؛ ذاك أنَّ الخوريَّة قد بالغت، إذ شاءت حشد وصْفات "الشيف أنطوان" كلَّها في هذا الأحد المبارك، وفي هذه المناسبة الاستثنائيّة بالذّات. اليوم، ينطح الخوري أنطوان عامه الثالث بعد السبعين. ولو قُدّرَ لك أن تشهد تلك الوليمة "الحاتميّة" لفهمت ما كان يقصده نجيب حنكش بالتزكة على الطريقة الزحلاويّة. أمّا روّاد المائدة فلم يتجاوزوا الأربعة: الخوري وخوريَّته وابنه بشارة وابنته ماري. طبعًا، فالتباعد الاجتماعي ما زال قائمًا بسبب هذا الفيروس الخطير الذي يضرب الكوكب.

وعندما أحضرت الخوريّة القهوة، اعتذر الخوري، فمعدته لم تعد تتّسع لقيراط واحدٍ ممّا يدخل فم الإنسان. وها هو قد عمد إلى حزامهِ الإيطاليّ، ففكّ منه مقدار بوصتين اثنتين، فتحرّرت كِرْشُه الكبيرة من قيدها، وتنفَّس الأبونا الصّعداء، متأسِّفًا على زمن الغمباز خافي الكروش، وساتر العيوب، وما في الجيوب.

وقام إلى أريكته الوثيرة علَّهُ يحظى بقيلولته المعتادة، ولكنَّ الوَسَن قد جافاه، وذلك الخَدَر اللذيذ الذي افتقده مذ أحجم عن الشراب مع بداية الصوم الكبير، لم يعُد ليَسريَ في مفاصله فيشيعَ الدفء والطمأنينة و"السلام الداخلي". فراح يتقلَّب على جنبيه ذات اليمين وذات الشمال متمتمًا: "مع آلامك يا يسوع" ، ولكن دون جدوى . وكيف يتأتّى لجفنيه النّعاس وهو لم يخطّ كلمةً واحدةً بعد من عظته المنتظَرَة في قداس هذا المساء.

حسنًا ، هو يعرف نفسه جيّدًا، فهو ليس ملفانًا في اللاهوت، ولا هو بالخطّيب المفوّه. ولكنَّ أبناء قريته ليسوا هم أيضًا أحفادًا للبساتنة أو من سلالة اليازجي لا سمح الله. فآيةٌ من هنا، ومثلٌ من هناك، واستعارة من رسائل مار بولس من هنالك كانت لِتَفي بالغَرَض. أمّا اليوم فالوضع مختلف. وما العمل وقد أوعز راعي الأبرشية لكهنته في الرعايا مواساة الناس في محنتهم، عبر قراءة روحيّة -ملؤها الرجاء - لهذا الوباء الفتّاك: "الكورونا". قراءةٌ روحيّة لِوباءٍ يخطف الأرواح؟! إنّها أُحجية الأحجيات! وما زاد في الطين بلّة، أنَّ قدّاس هذا المساء تحديدًا، سوف يُنقَل عبر قناة تلفزيونيّة، وبالبثِّ المباشر، لرفع الرّوح المعنويّة عند إخوة يسوع الصِّغار القابعين في منازلهم.

ما كان ينقص المحترم إلّا هذه الـ"أونلاين" - كما يقول الجيل الجديد - السارية المفعولفي مجال التعليم - كما يزعمون – إذ تبدو وسيلة جيّدة لاستيفاء ما فات المدارس ومعلّميها من الأقساط في هذا الظرف العصيب. أمّا القداديس عن بُعْد، فهذا ما لا يفقهه عقل، ولا سيَّما أنَّ جوهر القدّاس هو في المناولة التي لن تصُحّ في هذه الحالات.

غير أنَّ كلّ هذا لا ينفع، فعلى الخوري تحضير العِظة... دخل غرفته، وجلس إلى طاولته وراح يمعنُ التَّفكير في ما عساه يكتب. أَلَم يكُن الأجدر بالمطران أن يجعل العظة موحّدة، وبالتالي مكتوبة لتُلقى في جميع الرعايا على السّواء؟ ولكن الإعلان صدر، وما كُتب قد كُتب. فإلى العمل يا خوري "أنطوان". نظر إلى المكتبة ، بضعة كتب روحيّة قد غزاها الغبار، ترقد على الرّفوف في سُبات دهريّ - أسوةً بأبناء قريته المتوفّين - وطبعًا على رجاء القيامة.

فههنا على الرَّفّ، "مُروج الأَخْيار" يتّكئ بِوهنٍ على" السِّنكسار"، و"تريزيا الأفيليَّة" تُسِرُّ في أذن "يوحنّا الصّليب" بما آلَت إليه إصلاحات الكرمِل بعد مرور كلّ هذه القرون. أما "اعترافات القديس أوغوسطينوس"، فما زالت هاجعةً في غلافها الكرتوني الجميل، لم يفتضّها بشرٌ مذ أهدتها إليه رئيسة الأخويَّة منذ أكثر من عشر سنوات. ولا عجب، فجُلّ ما قرأه المحترم خلال مهمّته الرعوية لم يتعدّ َ كتب الصلوات اليوميَّة، والرُّتب الطَّقسية الخاصّة بالزّيّاحات والعمادات والمناولات الأولى والأعراس والجنازات. تلك الجنازات التي كلّما ذكرها الخوري غصَّ بريقه، وذكر مراسِمها بالخير، وقد قال الكتاب حيث تكون الجيفة تجتمع النّسور، وها هو نسر الأمس محجورٌ مهزومٌ مهيض الجناح.

الوقت يمضي. إلى العمل يا خوري أنطون.

وبعد طول بحث وتنقيب توصّل إلى مبتغاه، فوجد ضالّته أخيرًا. فتح العهد القديم، وبدأ شبح المحنة ينزاح من أمام ناظريه، وراح يكتب...

الخوري في خلوته والخوريَّة في الصّالون تتناهبها الأفكار والوساوس. فمذ عرفت بهذا البثّ المباشر لقدّاس الخوري وهي لا تعرف ما دهاها! وبرغم علمها بأنّها لن تكون في قدّاسه الليلة بسبب الحجر، وبالتالي لن تطلّ على الشاشات، إلّا أنَّها، وبغريزة الأنثى، قامت أمام المرآة ومعها ملقط صغير راحت تلتقط به ما تكاثف من شعر حاجبيها، علّها تُصلح ما أفسد الدهر من جمال؛ ذاك الجمال الذي أطاح بمستقبل الخوري الروحيّ منذ أكثر من أربعين سنة. فهي تعلم علم اليقين أنَّ زواج الخوري أنطون قد حال دون ارتقائه الرتبة الأسقفيّة، كي لا تقول عتبات الكرسي البطريركي، فتُرمى بالمبالغة.

طالت خلوة الخوري. فقامت الخوريّة إلى باب مكتبه، طرقته، لم يجب. نادته:

- "باك شي يا بونا؟". 

- "حُطّي الرّكوي عالنّار يا خوريّة، جايي"، فابتسمت الخوريّة وتدحرجت صوب المطبخ.

... وفُتِحَ الباب، وخرج الخوري مبتسمًا راضيًا كلّ الرضى. ثم راح يتهادى في مِشيته وفي يده ورقة مكتوبة يرمقها بِفرح وحنان، لكأنَّه طالبٌ قد استلم للتوّ شهادته في البكالوريا... إنّها العِظة المباركة! نعم، وكان للخوريّة أيضًا أنطونُها "الذهبيّ الفمّ"! وكعادتها في مثل هذه الأوقات، هرولت تنادي ولديها للاستماع والتبرُّك بما أنعم الروح القدس على الخوري من آيات بيّنات.

وساد صمتٌ مهيب، وراح الخوري يقرأ بصوت جهوريّ:

"أبنائي الأحبّة... ليس بخافٍ على عاقل ما يعانيه كوكبنا اليوم: حروب، وانهيار في الاقتصاد العالمي، مجاعاتٌ، أوبئة... وكان هذا الوباء المدعو "كورونا" مسك الختام. قلت "الختام" لأنَّ ما ترونه اليوم ليس إلّا ما وصّفه الرّب بـِ"علامات الأزمنة".

فالتفت ابنه بشارة بقلقٍ إلى أخته، وصرخت الخوريّة ضاربةً على صدرها: "رحمتك يا ربّ!" وتابع المحترم.

"منذ فجر الخليقة وهذا المخلوق البشريّ لم يَألُ جهدًا في تحويل مسكنه الأرضيّ إلى جهنّم حقيقيّة. وقد نجح في ما أراد نجاحًا منقطع النّظير. فها هي الأرض تعجّ بالزناة والأشرار واللصوص والمجرمين القتلة أكثر من أي يوم مضى.

فمذ شرّفنا الأرضَ – نحن معشر الآدمّيين - بحضورنا المجيد ، قام الأخ منّا بقتل أخيه غيلةً وحسدًا. وتوالت فصول من المحَن كان دافعها الشرّ والمعصية والرغبة في التألّه؛ مِمّا استنزَل على الإنسان غضب الله وسخطه. وإذا عدنا إلى الكتاب، لَفهمنا كل ذلك. ولكنّنا لا نقرأ، وإن قرأنا لا نفهم، وإن فهمنا لا نتّعظ...". 

فأثنت الخوريّة على كلام المحترم بإيماءةِ استحسان من رأسها، وتأسَّفت على الجيل الحاضر لعدم اقباله على اغتراف ما عند مَلفانها أنطوان من كنوز الحكمة والمعرفة والإيمان. أمّا بشارة – خرّيج روسيّا – فقد أيقن بأنَّه إذا ما استمرَّ الأبونا ناسجًا على هذا المنوال، فإنَّ مَن قد نجا من "الكورونا" سيلقى حتفه - بلا شكك - رعبًا من عِظَةِ الخوري...

وتابع الأبونا: "هذا تاريخنا يا أحبائي. نحن غِلاظ الرّقاب: معصية، فعقاب، فتوبة كاذبة. نَدور ونَدور في حلقة يائسة لعينة لا خلاص منها. وقد أراد الله كسر هذه الحلقة الجهنميّة فأرسل ابنه الوحيد ليصالح البشر مع خالقهم، غير أنّهم قتلوه ، بلّ قتلناهُ مسَمّرًا على الصَّليب". 

فتناولت الخوريّة منديلًا وقد اغرورقت عيناها بالدموع، فمسحت جفونها، وتمخّطت أيضًا. ثمّ أصلحت من شأن جلستها، وراحت تلتهم كلمات بعلها التهامًا.

..."فمِنَ الطّرد من جنّة عدن، إلى قصاص قايين وهروبه، إلى بَلبَلة أصحاب البرج، إلى الطوفان العظيم وإفناء البشر، إلى دمار سدوم وعمورة، إلى الضّربات العشر على المصريين، إلى العبودية في الأرض الغريبة، إلى التّيه في الصّحراء، إلى دمار الهيكل وتشتّت المؤمنين بعد صلب المخلّص"...

وهنا هبّ بشارة واقفًا وقد ضاق ذرعًا بأساطير الأوَّلين، ووجد نفسه وجهًا لوجهٍ في معارضة المحترم، معارضة ودَّ لَو بقيت في طَورِ التَّلميح - كما كان قد آلى على نفسه - أو كحرب باردة - كما يقال - غير أنّ الخوري قد تمادى، فبات لا مناصَ من التَّصريح، فقال له:

- لقد تغيَّر العالم يا أبتِ،، وأنتم ما زلتم تقبعون في منازل الأمس؟! فالعلم الحديث قد أثبت، بما لا يقبل الشكّ أنَّ كتاب العهد القديم لا يمتُّ إلى التّاريخ بصِلة. وهو لا يعدو كونه مجموعة أساطير، تمَّ جمعها من أدبيّات الحضارات المجاورة السابقة. هذا وقد جُمِعت في العقد الخامس قبل الميلاد على يد مجموعة من كهنة اليهود المتعصّبين، لكي يجمعوا شَتات يهود ما بعد السَّبي، في بوتقة دينية وقوميّة واحدة، خشية اندِثار الشعب اليهودي، فكان الحنين إلى صهيون هو الرّابط من أجل ذلك.

- وماذا تعني؟! أيكون كتابنا مجموعة أكاذيب، وأنا الخوري أنطون، لا عِلْم لي بذلك؟

فَسُرَّ بشارة بسؤال المحترم، وتذكَّر المثل الشَّعبيّ القائل: "إذا دَرِّت بِقْرتَك، حْلِبها"، فقال:

- أوّلًا، العهد القديم ليس كتابنا، إنّه كتاب اليهود. ثانيًا، ليس بالضرورة أكاذيب بالمعنى الحرفي للكلمة، لِنَقُلْ إنّه مجرّد رواية لاختبار عاشَهُ الشّعب اليهودي مع إلهِه يهوه، بما يتضمّن همومه، تطلعاته، شجونه، انكساراته، انتصاراته... في النِّهاية، وبكلِّ بساطة، اليهود قد صنعوا إلهَهُم على صورتهم كمثالهم: يهوه إله حقود، جبّار، مخادع، ظالم، يؤثِر شعبه على الشّعوب كافة، ولا يتورَّعُ عن ذبح أبْكار المصريين، وقتل الكنعانيين من سكّان أريحا وغيرها، بل وسلبهم أراضيهم أيضًا، بدون وجه حق... وما كلّ تلك المصائب التي حلّت بهذا الشّرق إلّا بسبب ذلك الإله المتعطّش للدِّماء.

- حسنًا، ولكنَّ الكنيسة تقول، بالرّغم من أخطاء الإنسان وخطاياه، فإنّ إله إبرهيم وإسحق ويعقوب ظلَّ أمينًا مع خليقته، حتى أرسل ابنه في ملء الزمن من أجل خلاصه.

- ولكنّ ابراهيم الذي تدعونه أبَ المؤمنين، باع امرأته سارة مرّتين: مرّة لملك مصر، ومرّة لملك جْرار. تمامًا كما باع ابنه اسحق، وزوجته رفقة في ما بعد. أمّا يعقوب فقد سرق حقّ البكوريّة من أخيه عيسو، والبركة من أبيه اسحق، فاضطرّ يهوه إلى الانصياع...

فانتفض المحترم قائلًا:

- لو كنّا نعلم بأنَّ دراستك لفنِّ الباليه في روسيا، وانضمامك لراقصي "البولشوي"، قد سمَّمت أفكارك بهذا الشكل، لما وافقنا على سفرك من الأساس. فهذه ليست أفكارك. إنها أفكار أصحابك الشّيوعيين. "ربّو وتْعبو. عَجبك إبنك يا خوريِّة؟". 

وأحجم الخوري عن القراءة ، ووضع الورقة في جيبه. ولكنَّ الخوريّة استحلفته بمارأنطونيوس البادواني – شفيعه - أن يكملَ القراءة. ورمَت ابنها بنظرةٍ لها ألف معنى ومعنى؛ وكذلك فعلت ماري. فسارع بشارة إلى الاعتذار قائلًا:

- أنا لم أكن أقصد التجريح. إنّما كنت أناقش الموضوع من الناحية الفكريّة لا الإيمانيّة.

فقال الأبونا:

- "يا بُنَيّ اِفتح قلبك لا عقلك". وتابع القراءة.

"أما إذا نظرنا إلى الوضع البشريّ الحاضر، فليس الوضع بأحسن حال، حيث - وبحجّة احترام حقوق الإنسان - تسلَّلت القوانين المريبة إلى صلبِ الحياة الإنسانية فَسمّمتها. فتمّ تشريع الإجهاض، والقتل الرحيم، كما حُلِّلت المُثليّة الجنسيّة، وسُمحَ للمثليّين بالزواج أيضًا. كما تم التلاعب بالجينات البشريّة عبر التناسخ وغيره. وعمَّ الإلحاد، فهُجِرَت الكنائس وتحوَّلت إلى أندية وملاهٍ ليليّة. أمّا الربّ، فلم يعد له وجود، إذ استُبدِل بالدّولار. وراحت الدُّوَل تتسابق في الإنتاج، فتكاثرت مصانع الأسلحة والحديد وغيرها، ملوِّثة البيئة، وأخذت الشركات عابرة القارات تتسابق هي أيضًا في خنْقِ الشُّعوب تحت نِير الدّيون. وغدا صندوق النَّقد الدوليّ قِبلة الأنظار، والرجاء، والنَّجدة". 

أبنائي الأحِبّة... وتسألون لماذا الكورونا؟ نعم، ها هي عصا تأديب الرَّب علينا جميعًا. فصلّوا وتوبوا، لأنّكم أصبحتم الآن تعلمون متى يأتي السّارق. وها هو قد أتى. نعم، السّارق هو بيننا، في صورة هذا الوباء الخطير. صلّوا أحبائي. صلّوا. فالرَّبُ قد أعطى وها هو الرّبّ يأخُذ. فليكُن اسم الرّبّ مُباركًا. آمين...".

وهنا هتفت ماري قائلة:

- "ولكنَّ الله محبة، وقد أرسل ابنه ليخلّص العالم لا ليدينه. أنظر يا بابا إلى العهد الجديد! لقد أحبّ الرب الخطأة. ألا تذكرمحبته للابن الشاطر، وللخروف الضال، وللمرأة الزانية؟ هذا الرّبّ الذي غفر لصالبيه من أعلى الصليب، مِن غير المعقول أن يكون هو المسؤول عن هذا الوباء المميت! إنّها الطبيعة. الطبيعة التي طالما عبثنا بها، فهي وحدها المسؤولة. فالله محبّة ولا شيء سوى المحبة". 

وقامت إلى غرفتها. أما بشارة فقد خرج متمنّيًا لو بقي محجورًا في روسيّا. وها هي الخوريّة، وقد أخذ الرُّعْبُ منها كلَّ مأْخَذ، قد تناولت مسبحتها الوردية ولاذت بالصمت، فيما خرج الخوري إلى قدّاسِهِ المنتظر.

...ودقّت السّاعة السّابعة مساءً، فتسمّر الحاضرون أمام الشّاشة الصغيرة: الخوريّة لتشهد بلاغة زوجها وحكمته، أمّا بشارة وأخته فلكَيْ يشهدا فصلًا جديدًا من رؤيا القديس يوحنا، حيث ستتحقّق من على منبر الكنيسة أسوأ كوابيس الجنس البشري...

وبعد الإنجيل المقدس، أطلّ الخوري أنطون بقامته الفارعة، ولحيته البيضاء، وابتسامته اللطيفة، وابتدأت العِظَة:

- "أبنائي الأحِبّة... سلام الرب معكم...

قيلَ الكثير في هذا الوَباء الخطير، وفي أنَّه قصاصٌ إلهيّ قد أنزلَ ببني البشر، فلا تصدّقوا شيئًا من هذا الهُراء، فإلهُنا إله الخير والرحمة. وقد قال يوحنا الرسول: إن الله مَحبّة. ونحن أبناء الرجاء. فنقول اليوم أيضًا كما قال ربُّنا: لا تخافوا، فأنا معكم حتى انقضاء الدهر. وأنا - كاهن المسيح - على يقين بأنّ إلهنا يتألّم معنا في هذا الوقت بالذات...

وختم المحترم عظته داعيًا المؤمنين إلى التحلّي بالصّبر، عملًا بالآية الإنجيليّة الكريمة: "من يصبُرْ إلى المنتهى يخلصْ". آمين.

وهنا قفز راقص الباليه عن الأريكة صارخًا:

- "أجل! أجل! هذا هو والدي الذي أُحِبّ... لقد فعلها أخيرًا. هيّا لنُحضِر قالب الحلوى، فقد شارف المحترم على الوصول، فلنحتفل بعيد ميلاده!"

وعندما عادت الخوريّة من المطبخ حاملةً قالب الحلوى، وجدت على أرضيَّة المدخل قرب الباب ورقةً مَطويَّة، التقطتها، فإذا هي عِظَةِ الأبونا...

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard