قصيدة نثر... قصيدة أكل

22 نوار 2020 | 11:13

المصدر: "النهار"

الكتابة في كونها موهبة أو تعدياً؟

(1)

لن تُغني محبّة العمل عن الشجاعة

حتى ترفع هذا العبء الفادح

فطريق الفنّ طويلة والزمن قصير

إن قلبي يسير كالطبل المبحوح

الذي يتجه إلى مقبرة معزولة

بعيداً من المدافن المشهورة

وهو يقرع الأناشيد الجنائزية

أكثر من جوهرة ترقد مكفّنة بالظلام والنسيان

لا تدركها فأس ولا يصل إليها مسبار

وأكثر من زهرة تريق عطورها المنعشة

في الخفاء على الأماكن الموحشة.

(2)

في حافة الصحراء، في المنحدر، والرمح مغروس في الرمل، 

أنشد، بينما أنا على جسدها، أغنية تسربت إلى فمي،

فعلمت أنها آتية من الفم الأول، الذي أنشد أغنية أمام وجه الزمن،

لتصل إلي فألصقها بدوري في أفواه أخرى، لتصل إلى آخر فم قد ينشد أغنية أمام وجه الزمن.

(3)

كنت في غرفتي البائسة في باريس، أحاول أن أُجلِس بلادي على ركبتي، لا لكي أعالجها كما فعل "رامبو" مع الجمال، بل لكي أتنشق رائحة خريف يستسِرُّ فيها، ولكي أقارنه بوجه الشاعر، وربما لكي أعلن حقوقًا أخرى للإنسان لا أزال أتردد في الجهر بها.

(4)

تنطلق نقطة البدء في مقالنا هذا من سؤال مشروع جدا ألا وهو:

هل أصبح لقب "كاتب" يمثل نوعا من العار أو العيب على من يتخذ من الكتابة مهنة؟

هل كلمة "الأديب" أصبحت وصمة خزي في جبين ممتهني الكتابة النثرية؟

لو أن الأمر كذلك، والإجابة نعم؛ إذاً لا بد أن يتمسح المتمسحون من كتبة النثر في ثياب الشعر، ويعلنون أن كتاباتهم تلك لا تمت إلى النثر بصِلةٍ، بل هي شعر رغم أنوف الرافضين.

وإن كانت الإجابة لا، فإنه يتوجب على من يطلقون على كتاباتهم النثرية "قصيدة نثر" أن ينظروا في المصطلح الذي أطلقوه على مثل هذا اللون من الكتابة، ويفرزوا مسمى جديدا؛ له من المعايير التي يجب أن تكون قائمة حتى يستطيع القارئ أن يميز بين ما يقرؤه شعرا أو نثرا، كما يتمكن الناقد من التمييز بين كاتبي هذا اللون من الأدب من حيث الإبداع، أو التفاهة.

فكل لون من ألوان الأدب لابدَّ أن يحتكم إلى مجموعة من المعايير التي يتعارف عليها أصحاب اللون الواحد منه، فتكون مقياسا لعملية التقييم والنقد، وإلا أصبحت الساحة ملأى بكثير من التافهين الذين يأكل ما يكتبونه الأخضر واليابس من الأدب الرصين، بل ويحرقون غيرهم ممن يكتبون هذا اللون نفسه.

النماذج الثلاثة التي بدأت بها مقالي: الأول نص شعري مترجم، والثاني من القصة القصيرة جدا، والثالث يقع تحت اسم قصيدة نثر؛ لأحد رواد تدمير القصيدة العربية الخليلية، بل والتفعيلة أيضا.

وسؤالي هنا: كيف يستطيع القارئ أن يقيم فرقا واضحا ذا معالم بارزة بين هذه النماذج الثلاثة، أو يستطيع أن يفرق أيها شعر مترجم، وأيها قصة قصيرة، وأيها قصيدة نثر؟!.

أي فرق جوهري يمكنني كقارئ من التفرقة بين هذه النماذج الثلاثة، وبين أي نص نثري آخر ينتمي لأصحاب هذا الاتجاه؛ يجعلني أقر واقعا بأنه "قصيدة نثر".

قال لي أحد أصدقائي في زمن فائت:" أليست قصيدة من القصد؟

قلت: بلى.

قال: إذاً أنا أكتب قصيدة نثر.

قلت له: وأنا قصدت الأكل، فأنا أكتب قصيدة أكل.

المسألة جدلية عقيمة للون من ألوان الكتابة ما له من قرار؛ أصبح به كل "من هب ودب" شاعرا يكتب قصيدة النثر، فغامت الرؤية، وأصابت عيون النقدة العاجزين العتامة، ولأنهم لا يملكون من أدوات نقد الشعر شيئا، فأصبحوا يهرعون إلى النثر؛ حتى قال أحدهم: إن هذا زمن الرواية؛ لا زمن الشعر. لا لشيء إلا لأنه يعجز تمام العجز عن معرفة بحور الشعر وأوزانها وتفعيلاتها، بل هو عنده شلل تام عن معرفة القافية وعيوبها ومزاياها، ولا يستطيع أن يميز بين الألوان البلاغية التي ينتجها الشاعر الحق في إبداعه، فلم يجد بدا من الخروج من هذا العجز إلا بإطلاق هذه مقولة: زمن الرواية " التي أصبح كثيرون يرددونها بغير علم ولا هدى من معايير محترمة، أو مقاييس نقدية وبلاغية تمكنه من إقامة النقد الصحيح لنص إبداعي متقن.

إنه الصراع منذ الوهلة الأولى بين النثر والنظم، بين الشاعر والكاتب، والذي تناولته في دراستي لتحقيق كتاب "الوشي المرقوم في حل المنظوم لضياء الدين بن الأثير الجزري"، وهو مصنف في كتب البلاغة، آخذا بيد من يريد أن يمتهن الكتابة للطريق الصحيح.

الصراع الذي يحاول كل طرف منهما أن يثبت أفضليته على الآخر: الشاعر أو الناثر/ الكاتب؟

لن يضير الشعر الأصيل كل هذا الهراء والغث مما نجده هنا وهناك، فسيظل الشعر شعرا إلى الآبدين وهلك هنالك المبطلون الذين يريدون أن يغيبوا، ويضيعوا أمة أعلاها الشعر، بل نزل القرآن معجزا لفصحائهم وبلغائهم.

ورغم ذلك نجد في مسيرة أدبنا العربي، بل والعالمي الكثير والكثير من الناثرين الذين أصبحت أسماؤهم ملء السمع والبصر، دون تزييف للوعي، أو تضليل بالمصطلح.

وعلى أدعياء الشعر أن يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أشد منهم بلاغة وإبداعا ونقدا وتنويعا وتطويرا للقصيدة العربية، ومع ذلك، فلم يكونوا إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه.

شاعر وأكاديمي وصحافي مصري

Abogehad111@gmail.com

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard