أميرتي والغرباء

21 نوار 2020 | 12:58

(تعبيرية- "أ ف ب").

هرعتْ وأقفلت الباب سريعا. بدت مربكة. فقد كانت اميرة البيت الصغيرة تحرص على ألا تتسلل الكورونا من الأبواب الى داخل الدار. كانت تخشى الغرباء وقد صار كل ما هو خارج الحوائط غريبا. صار الكورونا.

لكن لا يا صغيرتي، ليس الآخر جحيما. يجب الا يقتلنا الخوف من الجائحة ونحن احياء يا صغيرتي.

سجن الكورونا الخوف، وعقوبتها التقوقع أكثر فأكثر. لا لن تكون حياتنا ردهة انتظار للموت.

صيّر الآخر جحيمنا إذا ما صار الاختلاف خطيئة. ويمسي فردوسنا إذا ما عرفنا انّ الاختلاف غنى، والتنوع نعمة. لا تخلصين انت اذا لم يخلص هو. لا نخلص جميعا الا عندما يعود الوجه مطرح لقيا والجبين ساحة تفاعل. ما يصيبه داخل حوائطه يعنينا لا بل يضربنا. الفردية هي الكورونا والخطر. ومن يتربص بنا شراً لا يقيم خارج حدودنا وحوائطنا، بل نزوات تحركنا وتدفعنا الى انتهاك قواعد الحياة والوجود. انّ ممارساتنا ونهمنا وطمعنا هي الكورونا.

لا لسنا الكون وإن سُدناه. مشكلتنا في فهمنا للسيادة التي جعلناها تسلّطا والغاء وانتهاكا لعناصر الكون. لا ليست السيادة هكذا، انما هي شراكة واحترام. أصغر العناصر يدمر أكبر الممالك والحضارات.

لن تكون هذه الجائحة الأولى ولا الأخيرة. ستطول أزمتها وتنجب أزمات. لكن في النهاية سيستنبط العقل البشري علاجا. وسيكون العلاج مكلفا وستجني شركات الدواء الأموال على حساب الحكومات والفقراء والمتعبين.

غداً تزول الكورونا، ولن ندعها تأخذ معها حلاوة زمان اعتماد البشر على البشر. سترحل وستفسح في المجال امام الآلة لتأخذ مطارح الفقراء من البشر. فالآلة لا تمرض ولا تشعر ولا تحزن بل تعمل.

غداً تزول الجائحة وما بعد غد ليس في اليد. و"سيصطدم الناس بالحقائق، لكنهم سيستجمعون قواهم وينصرفون كأنّ شيئا لم يحدث"، كما قال ونستون تشرشل مرة. تزول وتأخذ معها خصوصية البشر وحرية الحركة والتنقل. وسيزداد العالم انقساما ويستسلم من يستسلم للإحباط والقومية والتطرف. وستدخل العولمة في استراحة. وسيكون السلام انتظارا لحروب. قلة عزيزة يا صغيرتي تستخلص من الازمات دروسا تسطّر بها للعالم مسيرات من نور.

وُلد من رحم الفقر والجوع في الهند رجل هو المهاتما غاندي. غاندي لم يسلّم نفسه للإحباط بل عرف كيف يخرج من بحر إجحاف القوانين ملحاً يملّح به العالم. واجه الكره بالحب والعنف باللاعنف. آمن الرجل بقوة الحقيقة التي نضحت حبا وروحانية فصار اللاصق والرمز الذي اجتمع من حوله كل الذين كانوا ينتظرون على الأرض ومضة من السماء. ومن قال "انّ الروح لا يهب حيثما شاء وكيفما شاء؟".

واجَه إجحاف القوانين بقوة السلم. والسلطة في أيامه كانت تستمد قوتها من الاخلاق. لذا، فإنها كانت تخجل وتقر بأنها هزمت. فالضمير ما كان قد مات بعد. لا اعلم ماذا كان غاندي سيفعل لو وُجد في بلد كبلدنا ونظام كنظامنا وعالم كعالمنا، يا طفلتي؟

قوّته استمدها من رفضه الظلم وقبوله العقاب، قبل ان يظلم. وعانى في سبيل احقاق الحق. كان مستعدا لان يضحي بنفسه من اجل قناعاته. ولم تكن قناعاته بضاعة استهلاكية او كلاما يطلبه المستمعون.

الحقيقة ثابتة يا اميرتي. الحقيقة قمة لا يبلغها الا انقياء القلوب.

البارحة يا طفلتي ضحكت من كثرة المي. شاهدت واحدا ممن يتسلطون على العالم. استمعت الى خطابه وخطابه عناوين رنانة بمضامين فارغة. كان وكانوا ينادون بما لا يؤمنون به. كان وكانوا يستجدون ادوارا واعجاب الجماهير بينما هم يقدمون الخدمات للأقوياء.

تألمت على إنسانية فقدت النماذج وتحسرت على حياة عامة تخاصم الحق.

كبر الوهم في مجتمعنا، واتسع الشرخ بين البشر يا بنيّتي. فصرنا نعيش في السوق. وكل ينادي على بضاعته. صار الكلام للاستهلاك والبشر للاستهلاك وكل شيء للاستهلاك. فأتت الكورونا وضربت شبكات الاستهلاك والإنتاج. ضربتنا وادخلتنا في عزلة. انهارت حضارات كبيرة امام ما هو ميكروسكوبي. لا لسنا اقوى من المحيط. من قال بانّ سطوة الانسان لا تتزعزع وبانه الوحيد القادر على التأثير؟

ألا فاعلمي يا صغيرتي بانّ الكورونا ليست العدو. عدو الانسان هو نفسه. وخلاص الانسان انما بالإنسان.

تعالي نفتش يا صغيرتي عن نماذج أخرى. تعالي ننظر ابعد من الظلال علّنا ندرك انوارا. تعالي نتعلم من الجائحة دروسا ونعمل كي لا يبيد الطمع ما تبقى من الانسان. لا لا تخشي الوجه، ففي الوجه لقيا. لا لا تخشي الاختلاف، ففي الاختلاف فرادة.

احذري الرذائل وانتهاك البشر لحرمة البشر والعناصر. احذري الجدران. اغسلي يديك ورجليك وقلبك ولسانك، وقبل كل شيء اذنيك وعينيّك من جائحة هذا العالم. ادخلي اليّ نظيفة، فالنظافة سلم وسلامة وعبور الى غد نريده مختلفا.

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard