لا تقل شئنا...

22 نوار 2020 | 10:48

كم تغيَّر وجه هذا العالم (تعبيرية- SUYOG MANKAR).

"جرايد... جرايد"، صوت حمله مشهد من مسلسل شامي أتابعه يعود بأحداثه إلى خمسينات القرن الماضي. نداء ذات رتابة عادية جعل الذكريات تنساب كالمطر إلى جمجمتي. صرت أقرب اليّ منذ 11 عامًا. صرتُ أقرب إلى الصباحات التي كانت تحملني من شحوب فراشي الى ضجيج الدنيا، الى صباحات عقيمة حيث الحنين لمن غادرت والتوق لمن تأخرتْ. نداء عجول نحت في بالي صورة بائع الجرائد الذي وقف لعقود ربما ليبيع "السفير"، "النهار"، "البلد"، "الأخبار"... كنتُ أسأل نفسي، هل هو سعيد بألف ليرة يبيعها لقاء طمأنة لسيدة يتلاعب السكر في دمائها بسبب موقف هنا وموقف هناك؟ هل هو تعس من ثقل المناكفات الورقية التي تحملها أنامله لقاء ربطة خبز أو لقاء مسحوق غسيل رخيص يعيد قبعته الكانونية ناصعة "البقاء"؟ ما رأي ثيابه وهي تبيع ألوانها لأشعة الشمس ولعرق جبين سيعيل ويعلّم أطفالاً على احتراف الإرادة والمسؤولية؟

ربما شاء القدر أن يكون أبي متمهلا في قيادته، وشاء الحظ أن ينمو برعم التحديق بين طيات رؤيتي. لم أشبع من مراقبته وسط "زمامير" أنانية كالغربان تطرد حظه في اقتناء عملة من هنا أو راحة لكفه الملطخ بحبر الصراعات السياسية من هنا! لم أعرف اسمه بقدر ما عرفت اصطفاف تعابير ثغره المليئة بالتعب، وتجاعيده التي كانت أسطراً متاحة لأرمي دموعاً لا تستحق الهطول من سماوات نفسي....

"جرايد... جرايد" نداء أعادني اليك أيها العم الغريب... هل ما زلت على قيد الحياة أم باتت الحياة تحتاج الى قيدك وسط تشتت الجرائد في ما تبقّى من بلد؟ هل سأرى ابنك في رياض الصلح يوزّع جريدة "الثور"ة لنقرأ أبجدية وطننا، ويقرأ هو أبجدية وطن يلوكه الخراب كخريف غليظ.... أيها العم، ربما الان أنت ترقد بسلام أو بين يدي أحلامك، وأنا أكتب هذا النص وسط رفاهية لا أعرف مداها.

أيها العمّ سامحني، فإن اسمك سيصدر في جريدة الكترونية.

قل لعدمك أن يتذكرني معزياً نفسه بما غنّته أم كلثوم: "فلا تقل شئنا، فإنّ الحظ شاء... فإن الحظ شاء"... 

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard