ثنائيّة الأنا والآخر في الأعمال الشعريّة.

21 نوار 2020 | 09:15

المصدر: النهار

يقول سارتر: "أنا في حاجة إلى توسط الآخر لأكون ما أنا عليه".

يقول سارتر:

"أنا في حاجة إلى توسط الآخر لأكون ما أنا عليه".

أعتقد أن الأنا ليس ذلك الكائن الذي يبقى في وجوده هو عينه، بل الذي يرتكز وجوده على التماهي وعلى البحث عن نفسه من خلال الآخر الذي يسكن فيه.

إذاً الأنا والآخر هي تلك الثنائية، إذا اختل التكافؤ والتوافق والتلازم في قطبيها، اعتلّت تصوراتها، وافتقر إنتاجها.

فالأنا مرآة الآخر، والآخر مرآة الأنا، ولا يتعرّف أحدهما على ذاته إلا بالآخر، ولا معنى لوجود أحدهما من دون الآخر.

يتحاوران ويتجاذبان، يختلفان ويتفقان. شرط أن يحافظ كل منهما على الآخر. إنهما الشِّعر والذات، عالمان لا يحيا أحدهما دون الآخر. إنها الأنا الموحدة مع عالمها الشعري عند الشاعر المبدع.

إذا كانت اللغة ليست سوى مجموعة من الرموز والقواعد التي يكتسبها الفرد إما عن طريق السمع مند الصبا، أو لتكرار ما اكتسبه عن طريق التعليم والتطبيق، فإنها لا تتعدى النسخ كما هي في القصة والرواية. لكن الرؤيا الشاعرية تختلف عن الحكي بل تتعداه في المقاصد.

يقول الشاعر صلاح بوسريف:

(للشعر شفاه كثيرة. وله أكثر من لسان ليقول الأشياء، ليخرج باللغة من مشتركاتها، من هذا العام الذي تذوب فيه الكلمات والأشياء، وكأنها خرجت من نفس الماء. والشاعر، حين يكون عارفاً بهذا الغنى الذي يتيحه الشعر، فهو يحرص على التبعيد، وعلى خلق إمكانات، تسمح فيها العلاقات بين الدوال، أو ما يمكن اعتباره توترات في العلاقة بين دال الكلمة ومدلولها، بتفتيق المعاني وتوليدها. ليس بالضرورة أن المعنى جديد بالكامل، يكفي أن تكون العلاقة بين طرفيه، مما كانت البلاغة التقليدية تعتبره أساسياً في وضوح المعنى، بحسب ما بنت به النظرية البيانية رؤيتها لـ "البيان" العربي، هي غير ما هو مطروح في الطريق، أو ما تتداوله الألسن، أو يجري في اللسان العام، ما يجعل هذا المعنى يكون طريقاً، أو يشي بطريق، وهذا، في تصوري، يكفي ليضع الشعر خارج العام والمشترك وما يجري على الألسن، بنوع من الاستعادة، والتكرار.

فالشعر، بهذا المعنى، هو "خَطْو يفتح الطُّرُق". يشي بالمسالك، لا يتجاهل المضايق التي يعتبرها ضمن ما يأخذ الشعر إلى مفترقاته، وإلى توقيعه الشخصي، الذي هو دم الشاعر، وجرحه الذي به يقيم في هذا الوجود.).

أعتقد أن الشعر كان وسوف يظل أبرز مظهر من مظاهر التواصل (الوجداني) تعقيداً وتطوراً لأنه هو (الآخر) ليكون الشاعر ما هو عليه. إنه صرخة الكلمات، بكيها وعذبها وفرحها.

إن النص الشعري يتسع إلى ما لا نهاية عند الشاعر المبدع. إنها علاقة الاتساع والتمدد اللامحدود بين الذات الشاعرة التي يمثلها الآخر واللغة ومحيطها.

هذا (الآخر) جمع بين الجمالية والإبداع، ويتسع إلى ما لا يتسع للقصة والرواية. لأنه ليس حكياً أو سرداً عادياً بل لوحة سريالية تنظر من فوق الواقع وتهدف إلى التعبير عن العقل الباطن بصورة (يعوزها أحياناً المنطق وغالباً ما تخترقه). فهي آليّة أو تلقائية نفسية خالصة، من خلالها يمكن التعبير عن واقع اشتغال فكر الشاعر. إذاً، فالأمر يتعلق حقيقة بقواعد إملائية للفكر، مركّبة بعيدة كل البعد عن أي تحكم خارجي أو مراقبة تمارس من طرف العقل وخارجه عن نطاق أي انشغال جمالي أو أخلاقي أو ما فوق الواقع المرئي.

إذاً، يمكن أيضاً القول إن (الآخر) هي معاني الكلمات التي تحدد علاقته بالعالم الذي يعيش فيه، أو بالأحرى هي التي تمثل باطن ذهنه وإدراكه، وإن بدت جزءاً من اللغة.

يقول الشاعر محمد بنيس في الشعر في زمن اللاشعور:

(الشعر مستودع أسرار كبرى).

أنشدت البشرية الشعر، مند القدم، وهي تستكين فيه إلى ما يختفي وراء الكلمات، هواء يتحرك من نفس إلى نفس، من دون استئذان. في الشعر كان الناس، على الدوام، يحسّون بكون ينشأ ولا ينتهي، متكامل بأسرار كلَّ مرة يتسابقون نحوها فلا يصلون. تلك كانت طريقة الشعراء الأساسيين، في لغات وحضارات. وهم ينقلون الكلام البشري إلى مرتبة النشيد الأصفى، المنفرد واللاَّمقَارَن. من نفس إلى نفس. وها هو تاريخ بكامله للقصيدة يعيد تشكيل ذاته مع كل شاعر يبلغ تلك النقطة التي هي سرّ التكوين.).

(هذه هي قوة الشعر عندما يكون كلاماً يديم الكلام. عندما لا يتخلى عن صوت القصيدة في القصيدة. عن الحوار والضيافة والصداقة. وهو ما تحتاج إليه القصيدة في زمن ينفي الكلام، يمنعه من إنتاج فائض معنى مشترك. مثلما ينفي لغات هي حياة شعوب وموتها. وتحتاج إليه القصيدة أيضاً، في زمن يرتفع فيه صوت حرب الحضارات على صوت الحوار بينهما. قوة الشعر من قوة القصيدة. قوة اختراق الإنساني فينا ليتكلم كل واحد منا سواه بحثاً عن الحوار، الضيافة، الصداقة.).

إن الحالة الإبداعية التي تهيمن على الوعي لدى المبدع، يجب أن تصور المواقف المتباينة التي تهيمن على ذات المتكلم. فالشعر الذي كان أسير تصور واحد، وسّع من نطاق ممارسته. من المعلوم أنه لا بد للغة أن تتنفس هواء مرابضها، وتستنشق عبق فجاجها، وتتجول في شوارعها بين الناس، ليتذوق (الآخر)، عليه أن يتذوق بالجوارح كاملة.



ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard