كيف أشعل الاقتصاد حروب التاريخ

21 نوار 2020 | 09:06

المصدر: النهار

ما يحدث الآن من حرب إقليمية كبرى تتحضر في شمال أفريقيا وبالتحديد على رقعة ليبيا

ما يحدث الآن من حرب إقليمية كبرى تتحضر في شمال أفريقيا وبالتحديد على رقعة ليبيا، بعد أن تحولت مياه شرق المتوسط من نسخة ثانية من مياه الخليج العربي المشتعلة، ومع التطورات الخطيرة والتصاعد المرعب بالعراق بعد حرق السفارة الأميركية نتيجة قذف مواقع للحشد الشعبي، ثم اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، وهو بالتأكيد ما سيكون له مردود على ساحة اليمن، بحكم أن سوريا والعراق واليمن ولبنان في معادلة واحدة، نعيد قراءة التاريخ بشكل جديد وأكثر عمقاً، كي نفهم أكثر ما يحدث الآن، فالتاريخ دائما ما يعيد نفسه، ولكم تلك القصة.

مع مطلع القرن الخامس عشر الميلادي كان الأسطول البحري البرتغالي يصول ويجول فى محيطات وبحار العالم، وأصبح متحكماً تماماً فى أهم الطرق البحرية التجارية في العالم وقتها، ولسياسة البرتغال المعروفة بتضييق الخناق على مستعمراتها عاد ذلك الأمر بالخسارة على تجار مدينة البندقية الإيطالية ما جعل الأخيرة تبحث عن حل بعد أن ازدادت خسائرها بسبب ركود بضائعها، حتى أرسلت وفداً الى مصر لكى يقنعها بأن تقوم بتخفيض الضرائب التى تفرض على البضائع الإيطالية التى تستقر بمصر لكى تعود إلى منافسة البرتغال مرة أخرى، ولكن مصر المتضررة أيضا كانت تبحث عن حل جذرى، وكان هدفها أكبر من بيع التوابل والعطور والأقمشة والأخشاب، وكانت تبحث عن سيادتها فى أعالى البحار، ولكن كيف والبرتغال أسطولها البحرى يمتد حتى سواحل الهند ومسيطر على ميناء جاول وكوزيكهود وكانور وجوجارات في الهند.

وفي عام 1498 وصل فاسكو دي غاما إلى الهند كي تصبح للبرتغال الكلمة العليا على سواحلها، وتحالفت البرتغال مع مملكة كوجين، لكي تؤسس البرتغال بعد ذلك لمقراتها بغوجارات. وفى عام أرسل ملك البرتغال مانويل الأول تعزيزات عسكرية ضخمة للامبراطورية البرتغالية الوليدة بسواحل الهند بقيادة نائبه دوم فرانسيكو دى الميدا، وبعدها بعامين أي فى عام 1507م قامت البحرية البرتغالية بقيادة أفونسو دي البوكرك بغزو على مدخل البحر الاحمر ومضيق هرمز حتى باتت كل مداخل المنطقة البحرية بيد البرتغال وحدها.

فكان البرتغاليون وقتها فى غاية النشاط بمدينة كوزيكهود الهندية، بالرغم من أن مدينة غوجارات الساحلية كانت أهم بالنسبة للتجارة بين الشرق والغرب، حيث كانت تمثل معبرًا هامًا للتوابل والبخور والبضائع التى تمر من الصين الى مصر وبلاد الشام.

وكانت مصر والشام وقتها تحت حكم المماليك، ولم يكن لديهم خبرة كبيرة فى الملاحة البحرية، فبدأت مصر باستيراد الأخشاب عبر البحر الأسود لبناء الأسطول الذى سيخوض المعركة ضد البرتغاليين، ولكن بتحريض أوروبي قام فرسان القديس يوحنا الذين عرفوا فيما بعد باسم "فرسان مالطا" بمهاجمة قوافل الأخشاب المتجهة الى مصر، ولم تسلم أى قافلة من عمليات القرصنة الممنهجة من الصليبيين، فكان بالكاد يصل نصف الكميات المطلوبة من الأخشاب لكي تنقل بعد ذلك على ظهور الجمال الى ميناء السويس البحرى ليبدأ تجميعها تحت إشراف نجارين مهرة من مدينة البندقية الإيطالية أرسلوا خصيصاً بعد أن علمت البندقية بنية مصر تجاه البرتغال.

فلم يكن غريباً على أيطاليا التى ولد بأشهر جزرها مثل صقلية أعظم قائد فى التاريخ الفاطمي ألا وهو أبو الحسن جوهر بن عبد الله، المعروف بجوهر الصقلي مؤسس مدينة القاهرة وباني جامع الأزهر الشريف ومن أقام سلطان الفاطميين في المشرق وفاتح بلاد المغرب أن تعاون مع مصر، كما أن جزيرة صقلية نفسها فى القرن التاسع الميلادى كانت إمارة فاطمية.

وانتهت مصر من بناء أسطولها البحرى الجديد، وأخيرًا بدأ يتحرك الأسطول المصري فى شباط 1507 تحت قيادة الأمير حسين الكردي الذى كان قائداً عسكرياً أيام السلطان قانصوه الغوري، لكى تضع مصر حداً للتوسعات البرتغالية فى المحيط الهندى، حتى وصل الأسطول المصرى إلى ميناء ديو عام 1508، وتكونت حملته العسكرية من 6 سفن حربية و6 قطع بحرية ضخمة تحمل 1500 مقاتل برفقة سفير مدينة كالكوتا الهندية، ولمعاملة البرتغاليين السيئة لأهالى الهند قام السكان المحليون الهنود مدعومين بقوات عربية فى عام 1507 بحصار كانور وصد قوات برتغالية أغارت على المدينة.

الى أن جاءت "معركة ديو البحرية" بين البحرية البرتغالية والبحرية المصرية فى 3 شباط 1509 ، والتى كان لها أكثر من بعد استراتيجي وتاريخى، وكان من المخطط أن يرافق الحملة العسكرية المصرية القائد البحري مالك عياذ وهو جنرال عسكرى مُحنك من أصل روسى، عمل تحت إمرة سلطان مدينة كامباى الهندية، وكان حاكمًا لميناء ديو، كما كان من المفترض أن ينضم الأسطول البحري إلى حاكم كالكوتا قبل أن يشن هجمات على القواعد البرتغالية على الساحل الهندي، لكن كان حسين الكردي قائد القوات المصرية قد تحرك.

رابطت سفن القوات البرتغالية بقيادة لورنسو دوم فرانسيسكو دي ألميدا (نجل نائب ملك البرتغال على الهند فرانسيسكو دي ألميدا) بميناء جاول، أما باقى الأسطول فأبحر شمالاً لحماية السفن البرتغالية التجارية من هجمات القراصنة، ثم تحرك الأسطول المصري المملوكى قبالة سواحل ميناء جاول واشتبك مع القوات البرتغالية لمدة يومين متتاليين، حتى ألقت سفن القائد مالك عياذ بثقلها فى المعركة، وبدأت تتساقط سفن الاسطول البرتغالى واحدة تلو الأخرى، حتى ترك البرتغاليون باقي سفنهم لتغرق في مدخل الميناء ومعهم قائدهم لورنسو دي الميدا.

وقد أنتهت تلك المعركة بانتصار ساحق للقوات البحرية المصرية، ولكن سرعان ما استعادت البرتغال توازنها بعد أن خطط نائب ملك البرتغال فرانسيسكو دى الميدا جيدا لردع المصريين وللثأر من مقتل ابنه لورنسو.

فمدينة ديو لم تكن مجرد مدينة عادية وقتها، ولكن كانت مركز تجارة حيوياً بين الهند والغرب، فهو الطريق الذي أنعش البرتغال ثم المملكة البريطانية فيما بعد.

فحركت البرتغال سفنها الضخمة المزودة بالمدافع وأعادت فرض سيطرتها على خطوط الملاحة بالهند بعد الحاق الهزيمة بالجيش المصرى، وهى المعركة التى غيرت شكل الصراع بين الشرق والغرب الذى كان مشتعلاً وقتها ليس فى بيت المقدس، ولكن فى موانئ وسواحل الهند بحكم أهميتها التجارية والاقتصادية فى تلك الحقبة التاريخية.

ولان التاريخ يعيد نفسه فكان يجب علينا قراءة التاريخ وإسقاطه على ما يجري حالياً، فى ظل ما يشهده العالم من حرب تجارية وأقتصادية كل يوم تزداد شراسة، كي ندرك أبعاد قرارات تتخذ كل يوم من القوى العالمية والإقليمية وبنوك ومصارف دولية، كما كان علينا أن نذكر تلك الحقبة الزمنية وما فيها من صراع شرس بين الشرق والغرب ليس من أجل بيت المقدس فقط ولكن من أجل التجارة والاقتصاد، وهو السبب الحقيقي لأي صراع، ونحن الآن نشهد مرحلة جديدة من ذلك الصراع القديم الحديث مع تدشين الصين خط الحرير.

فالفترة التى يعيشها العالم حالياً تشهد نفس الصراعات ولنفس الأسباب، سواء كان الصراع هنا على موارد الطاقة، أو هناك على طرق الحرير والتجارة، فكثيراً من الليالي الحالية تشبه أيام البارحة، وكثيراً من معارك الغد ستكون تكراراً لمعارك الأمس.

وفي قراءة التاريخ سنجد إجابات أكثر عمقاً لمشاهد عديدة مثل سبب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب التجارية على الصين، ثم على دول الاتحاد الأوروبي، ولماذا تحرك الأطلسي لوقف إمدادات خطوط السيل الروسية للغاز تجاه أوروبا، وكيف جاء رد فعل بوتين لكسب أكبر أمتين بأوروبا (فرنسا والمانيا) عبر ورقة الاقتصاد والتجارة، وحينها أيضاً سنعلم لماذا انحازت المانيا وفرنسا إلى جانب إيران ضد الولايات المتحدة، ولماذا انحازت فرنسا وألمانيا إلى قطر بشكل واضح منذ اللحظة الأولى لإعلان الرباعية العربية لمقاطعة قطر، كي لا تكون هزيمة قطر أمام السعودية هزيمة لهم أمام الأميركي فى الشرق الأوسط، فى ظل كم المصالح الاقتصادية التى تربط الدوحة بفرنسا وألمانيا، ولا يخفي على أحد أن التجارة والاقتصاد أحد المحركات الأساسية للحرب الدائرة الحالية في الإقليم، وهي الحرب التى لم تعد نتيجة حسمها مقتصرة على السلاح فقط، فالهدف من الحرب ليس تصفية رئيس بعينه أو نظام دون غيره، بل كان هدف الحرب الخفي ما بباطن الأرض، فى ظل انتهاء آخر احتياطات القارة العجوز من الغاز الطبيعي ببحر الشمال، وفى ظل رغبة الإنجليز فى تحويل شرق المتوسط نسخة ثانية من الخليج العربي، قبل أن تخرج استكشافاته بعيداً عن أعينه، وهى مهمة السفن البحرية البريطانية المرابطة على سواحل شرق قبرص ومالطا.

فإن كان التواجد العسكري الروسي المتنامي فى الشرق الأوسط وسلاحه المتزايد بين أيدي جيوش المنطقة أمراً مزعجاً للأطلسي، فأرقام حجم الصادرات الصينية تطيّر النوم من عقول الاقتصاديين في الولايات المتحدة، ولذلك تخوض الآن الولايات المتحدة مرحلة جديدة من الحرب العسكرية والاستخباراتية ضد روسيا فى القوقاز والبلطيق والشرق الأوسط، وحرب تجارية ضد الصين بكل البحار والمحيطات والموانئ فى العالم.

نعم إنها حرب تجارية اقتصادية فى المقام الأول قبل أن تكون حرباً سياسية استخباراتية، فالاقتصاد هو من حرك الساسة ووجه بوصلة أجهزة الإستخبارات، وهنا أتذكر شعار حملة انتخابية للرئاسة الأميركية عام 1992، تمكن من خلالها محامٍ أميركي في الأربعين من عمره اسمه بيل كلينتون أن يهزم رئيساً مخضرما كجورج بوش الأب الذي جاء إلى كرسي الرئاسة بعد أن مكث في منصب نائب الرئيس لمدة ثمانية أعوام، وقبلها شغل منصب مدير وكالة الإستخبارات المركزية، وهو من جاء إلى كل تلك المناصب من بيئة مالية نفطية قلّما خلت شركة بارزة من شركات النفط من اسمه أو اسم أحد أبنائه (جورج، جيب، روبين، نيل، دوروثي، مارفين) كعضو في مجلس إدارتها أو مساهماً كبيراً من مساهميها، وكان شعار حملة بيل كلينتون يتلخص فى أربع كلمات فقط وهم "إنه الاقتصاد أيها الغبي".


fady.world86@gmail.com


ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard