شاكر البرجاوي وسوق "الهذيان الاستشهادي"

24 آذار 2014 | 12:47

على مثال "مشيخة الشباب" التي أسسها ابرهيم قليلات (أبو شاكر) أواخر خمسينات القرن العشرين في أحياء الطريق الجديدة وشوارعها الشعبية، وكان عصام العرب القتيل اغتيالاً في الثمانينات من أركانها في حي العرب، أدمن شاكر البرجاوي (أبو بكر)، منذ بدايات حروب لبنان (1975)، تأسيس "مشيخات شباب" متناسلة ومتنقلة في أحياء بيروتية شعبية كثيرة: أبو شاكر، السبيل، شارع حمد، الفاكهاني، خلف جامعة بيروت العربية، وأخيراً في ما يسمّى الحي الغربي، خلف المدينة الرياضية.

"المشيخات" هذه، متناسلة ومتناقضة الهوى والولاء والأمرة والتمويل والتسليح، وفقاً لتغير الأحوال والظروف وسوق الأجهزة الأمنية والمخابراتية: عروبية ناصرية، ثم فلسطينية، ثم بعثية عراقية، ثم بعثية سورية، ثم حريرية، ثم "حزب الهيّة".
رحلة شاكر البرجاوي، شاقة، طويلة ومتعرجة ومتناقضة، تخللتها غيبات واختفاءات وظهورات وهجرات واعتقالات وسجون: 7 سنوات في السجون السورية الأسدية، هجرة الى أسوج، مشاركة في "انتفاضة" 6 شباط 1984، دفاع عن "كرامة بيروت وأهلها" في 7 ايار 2008، إنشاء مقر لما سمّاه رحّالة الأجهزة، "حزب التيار العربي"، قبل أن يحرقه ويحتله من كان يدافع معهم عن "كرامة بيروت واهلها"، ليفر الرحّالة الى دمشق، ويظهر في لقاء تلفزيوني مع الرئيس بشار الأسد في صيف 2010، ثم يختفي بعدها، ليظهر صبيحة أمس الأحد 23 آذار الجاري، على شاشة تلفزيون "الجديد"، تاركاً خلفه ليلة السبت – الاحد، قتيلاً وما لا يقل عن 10 جرحى في الحي الغربي، خلف المدينة الرياضية.
الحي الغربي هذا، واحد من أشد خزانات بيروت لكثافة البؤس والشقاء والحطام والحضيض الاجتماعي والبشري. فتيان وشبان كثيرون فيه، فلسطينيون ولبنانيون وبلا جنسية وأيتام، أدمنوا العنف الجسماني لغة وحيدة للتواصل والتخاطب والانطواء في شلل وعصابات لا تمتلك للتعبير عن غضبها وبؤسها وشقائها سوى تنشق مادة التنر وتناول حبوب الهلوسة، والإقبال اليومي على العراك والتطاعن بالأمواس والسكاكين، وتبادل إطلاق الرصاص، إذا توافرت المسدسات والبنادق الحربية. أما إذا عزّ عليهم ذلك بعد تدخل الأجهزة الأمنية الرسمية ولجمها دبيب العنف في تلك الجزر البائسة، فغالباً ما يتسلق فتيان الشقاء والهلوسة أعمدة الإنارة العامة، ويؤدون مشاهد تدمير ذاتي: يشطّبون بالأمواس أو شفرات الحلاقة صدورهم العارية، على ما نشرت الصحف صورهم قبل سنوات.
هذا ما خلّفته أيضاً "مشيخات الشباب" المماثلة في خزان البؤس والشقاء والعنف الطرابلسي، باب التبانة الذي لم يختتم بعد الجولة العشرين من حروبه المتناسلة مع الحي المقابل، جبل محسن.
رحلة شاكر البرجاوي قد تكون بدأت في فتوته العام 1969. ففي ذلك العام سقط أول شاب بيروتي "شهيداً" في صفوف منظمة "فتح" الفلسطينية المرابطة في الاردن، وشيّع في موكب مهيب مشهود من الحدود اللبنانية - السورية الى مقبرة الشهداء في بيروت. بعد أيام من ذلك الموكب، وعلى مدى شهرين تقريباً، تناقلت الصحف اللبنانية أخباراً متواترة عن فرار فتيان لبنانيين من بيوت أهلهم ومدارسهم، مسحورين بصورة الفدائي الفلسطيني الخلاصية التي اخذتهم كالمنوّمين الى سوريا والاردن، طلباً لـ"الشهادة" والحظوة بمواكب "استشهادية" مهيبة في بيروت.
هل من صلة ما لسحر "الاستشهاد" القديم ذاك ومواكبه، بما يحدث اليوم في معاقل "حزب الله" وفي خزانات البؤس والشقاء البيروتية والطرابلسية والصيداوية التي يسمّيها الحزب الشيعي وجمهوره "بيئات حاضنة" لـ"التكفيريين" الذين ما إن أرسل "حزب المقاومة" مقاتليه لمحاربتهم "استباقياً" في سوريا، حتى توجهت سيارات الانتحاريين المفخخة الى معاقله الأمنية؟
ثم الى أين سينتقل شاكر البرجاوي، وأين سيظهر، بعد الموقعة الأخيرة في الحي الغربي؟
الأرجح أنه لن يعدم محطة جديدة لرحلته الطويلة. فسوق الأجهزة الأمنية لبيع الولاء وشرائه، مزدهرة وناشطة، وخزانات البؤس والشقاء والحطام الاجتماعي تتسع في كل يوم وساعة، كما تتزايد خصوبة هذيان الاستشهاد والتكفير والانتحار والقتل في الديار اللبنانية.

المطران عوده: عندما تنعدم الثقة بين الشعب والسلطة التغيير واجب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard