قِطارٌ نحو الجنوب

20 نوار 2020 | 10:30

المصدر: "النهار"

القطار والوداع (تعبيرية- Achintya Hazra).

تجلس فتاةٌ شَقْراءُ قُبالتي، في القِطار الذي يَصل بَين جنيف وباريس. تُطالِع كتابَها وتُديرُ صفحاتِهِ بهُدوءٍ وبُطءٍ. مَرَّ نادلُ القِطار، يَدفع أمامَه عَرَبَةً فيها مشروباتٌ وساندويتشات. كانت هيئتُه فخْمةً نسبيًّا، تَليق بسُمعة شركة القطارات السّريعة. طَلَبَتْ منه الشَّقراء كأسًا من النَّبيذ الأحمر. كنتُ أسترقُ النّظر إلى حَرَكاتِها وقسماتِ وجهها وأتابعُ ما يَطرأ عليه من تعبيراتٍ. لم أرِد أن أثيرَ اهتمامَها، كما أنَّها لم تبدِ أدْنى انتباهٍ بوجودي. وبِبُرودٍ قاتلٍ لم أتعوَّدْهُ، واصلتْ غرزَ نظراتِها في صفحاتِ كتابِها. كأنني غير مَوجود.

مع ذلك، استجمعتُ شجاعَتي وأدَرتُ الجملةَ التي أودّ قولَها، في ذهني، مَرّات. أكرِّرُها حتّى لا أخطئ في تَركيبها الفرنسيّ ولا أتلعثم في نُطْقها. أكثرُ ما يخونُني، في هذه البلاد، النّطقُ السليم السريع بالعِبارات. أودّ أن أتكلَّم بطلاقةٍ مثلَ غَريماتي الباريسيّات. بِشجاعَةٍ، أطلقتُ جُملتي:

- يبدو أنَّ كتابَكِ مثيرٌ للاهتمام...

عندما ألقيتُها، حاولتُ، قدرَ طاقتي، إخفاءَ كلَّ أثرٍ لِلَهجتي الأصليّة. قلّدتُ نبرةَ أستاذي الفرنسي، وحتى طَريقَة لَيِّ لِسانه عندما يتحدّث إليْنا. جهدتُ أنْ يبدو كلامي عفويًّا. هذه أولى حِيَل الغَزَواتِ.

اكتَفَتْ بابتسامَةٍ باهتةٍ. أمَالَت رأسَها علامَةَ الإيجاب دون أن تنبس بأيَّة كَلمةٍ. رغم ذلكَ، شجَّعني صمتُها على مواصلة الحديثِ، وخاصّةً عندما تتوقَّفُ عن القراءة لتحتسيَ جرعةً من النبيذ الأحمر، وتنظُر إلى المُروج الخضراء من خلال النافذة. هذا النَّبيذ شوَّشَ عَليَّ المَسالك وخلط كلَّ الأوراق. أوحى لي وجهُها أنَّها من أصلٍ عربيٍّ. لكن لم أجزِمْ بذلكَ بسببِ لون عيْنَيها وشُقرَة شَعْرِها. هل هي صِبَاغةٌ؟ من أين هذا البرود القاتل؟

ستستمرُّ الرحلة لثلاث ساعاتٍ أخرى. لابدَّ من تقضية الوقت. ولم لا العودةُ بِفَيءٍ ثَمين؟ أنا الطالبُ المحرومُ الذي خَذلتني رطانَة هؤلاء الفرنسيين وقَهرتني مُيوعَةُ نُطقهم. انْحَدرتُ من أسرة فلاحيّة. كَبُرْتُ مع أبي في حقولِهِ وربَّاني تربيةً قاسية. يَغرس في أرضها أنواعَ الخُضْروات والبُقول. جئتُ إلى فرنسا بضربة حظٍّ. (لا تعليل عندي لها، يوضِحُ الرَّواي). ابتدأتْ غوايتي بفرنسا حين شاهدتُ سائحًا يساوم أبي على بطّيخاتٍ ثم يُعطيه أضعافَ ثمنها. كدتُ أطيرُ فرحًا. "يا رأس البَقَرَة! سَبَقَ وأن دَفعْنا دماءَنَا ثمنَها"، انتَهَرني أبي. قلتُ في نفسي: "إن رحتُ يوماً لفرنسا، سأنتقمُ من الباريسيات"، (شدَّدَ الرّواي: مثلَ مصطفى سعيد، بطل "الموسم"). أحيانًا، كنتُ أتخيَّلُ كلَّ جملة مَرأةً عارية. وأرى كلّ مَرأة جُملةً تتهادى، أودُّ الإمساك بإيماءاتها. غالبًا ما تتداخلُ الكلمات والنساء والأشجار. أعدتُ استجماعَ قوايَ:

- أنا طالبٌ... من أصل تونسي. جئتُ إلى فرنسا لإعداد ماجستير في الفلاحة!

- والدَايَ أيضًا من أصول تونسيّة، أجابَت باقتضابٍ وبُرود.

بَدأت بشائر النصر تلوحُ بهذه الكلمات الأخيرة. خُيِّلَ إلَيَّ أنَّها ستَسقُط في الفخّ. شجَّعَتْني أن ألعَبَ على وتَر الأرض وذاكرةِ الأجْداد.

- عظيم. أنت تتكلمين العربيّة إذن؟

- أبدًا. ولا كَلمة واحدَة. أمي تتكلّمها جيّدًا. إذا أردتَ التحادثَ معها بالعربية، يُمكنكَ أن تلتقيَ بها. هذا رقم هَاتف البَيت. اتِّصل بها. مَن يدري؟

أيقنتُ بِالفوز. أبعدَ هذا البرود، تُسلّم لي مفاتيح بَيتها؟

لكنها ما لبثتْ أن طلبتْ مني، بنفس الفَظاظة، أن أترُكَها لشأنها، تتابعُ مطالعةَ كتابِها. صمتُّ على مضضٍ. وعُدتُ إلى تأمُّل مَلامِحهَا خلسةً، لاسيما عندما كانت تَتَملَّى الخُضرةَ المنتشرةَ في الحُقول والمروج المترامية. تظاهرتُ بقراءة كتابٍ، أخْرجتُه من محفظتي الجلديّة. لم نتبادلْ الحديث حتى نهاية الرّحلة. ولم تُعطني رقمَ هاتِفها، رغم تَلميحي لذلك قبلَ النزول بلحظاتٍ.

- إذا احتجتِ أي شيءٍ من البَلَد...ألقيتُ بيأسٍ.

- شُكرًا، رَدَّتْ بِجفافٍ.

وبعد يومٍ، قرَّرتُ أن أهاتفَ والدتَها وأن أزورَها في بَيْتها. عَلَّمني أبي الفلاح أن "أتّبِعَ السارقَ حتى بابَ البستان". كان يَنصحني: "يا رأسَ البَقرة ! لا تُفَرّطْ في نَصيبِكَ مِن العَلَف". أجابَتني والدتُها بشيءٍ من التعجِّب البريء. أخبرتها مباشرةً أنّ ابنتَها هي التي ألَحّت عليَّ في اللقاء بها. وافقتْ على الفكرة بتلقائيّة. من المصادفات أنَّ عنوانَها لا يبعد عن مبيتي الجامعي إلا بضعَ مَحطّات. تسكنُ شقةً صغيرَةً في الطابق الأرضي. بائسةٌ وضيّقةٌ. "يا رأس البقرة! أيَّ علفٍ سأجنيه من هذه العجوز؟". رَحَّبت بي، في حَرارةٍ لافتة، بِدَارجة بَلَدِنا.

اللعنة! لا أريدُ التحدّثَ باللهجة التونسيّة. فَرَرْتُ منها. كنتُ "جَنوبًا يَحِنُّ إلى شمالٍ" (يَبتسم الرّاوي: اقتِبَاسٌ مَفضوحٌ من "الـمَوْسم"). حُلمي اليوم الاندماج في دواليب فَرنسا حتَّى أغزوها. أريد أن أتكلَّم مثل الباريسيات، برطانتهنّ وعذوبة نطقهنَّ وأنتقمَ لجَلافَةِ أبي وخُشونَة يَدَيْه. ها هي الشقراء تَحشرُني أمامَ عَجوزٍ ذاوية، عَرْبِيّة بِريحة البَلد، تَجاوَزَت الستّين. تعيشُ على ذكرياتٍ بائدةٍ. تستخدم عباراتٍ لم يعد أحدٌ من الناس يستعملها. تُحدّثني عن "الضمان الاجتماعي" بفرنسا، وطُرق الافادة منه، وتجديد الأوراق... امتعضتُ. أبقرةٌ حلوبٌ هذه الدولة؟ لا أريدُ مالَها بل مَدَارَها.

كنت أجيبُها بكلمات مجامَلةٍ باردة. قبل مغادرتي بقليل، كتبَتْ لي رقمَ هاتف ابنتِها على ورقة صغيرة، أخَذَتْها من بين الفواتير المتناثرة على طاولة المطبخ. التمستْ منِّي أن ألاقيها حتّى أعلِّمَها، إن رضيتْ، كتابَةَ الحروف العربية وصيغَ التحيّة.

- ابنَتي عنيدةٌ. اصبِرْ مَعها وثابر. حَدِّثْها عن امتداد الحقول. أغْرِها بخُضْرة البَساتين وشجر التفّاح وأعواد الزيتون. عَسَاها تَحِنُّ إلى جَنوبِها. ينحدر أبوها من قَريَة جبليَّة غربَ تونس. جاء إلى فرنسا على مَضضٍ. (لا تعليلَ عندي لِمَجيئِه، يُضيءُ الرّاوي بحَياءٍ). كان يرفض الحديث بالفرنسية في البيت. ويبرطم ببعض الكلمات النادرة خارجَه، حينَ يَكون مُضْطَرًّا، وإلا فإنه يكتفي بــ oui أو non. أرغمَ ابنتَنا، وهي صغيرة، على التحدّث بالعَربي. كان لا يجيبها إنْ كَلمتهُ بِالفرنسيَّة. أحيانا يُهَدّدنا بِالضَّرب إن تَلفّظنا بها. أنا لا حول لَي. فظاظة فَلاّحي الجَبَل.

- لا أريدُ أن أصبحَ مُعلّمًا. ما أريدُه ثاراتٌ قديمة. على صَدْري قَميص عُثمان. أريد أن أنسى قَسوة حقولنا في صباحات الشتاء، حين يَضطرّني أبي لقلع الأعشاب الطفيليّة. لستُ بقرةً.

استجمعتُ قوايَ للمرة الثالثة وهاتفتُ الشقراءَ:

-أنا شابُّ القِطار. أتذكرينَ؟ اقترحتِ عَلَيَّ اللقاء بوالدتكِ. رأيتُها الساعةَ. هي التي أعْطَتني رقمَكِ...

أجابتني ببرودها المعهود، وكأنها تسمعُ صوتي لأول مرة.

- عفوًا. هناكَ سوءُ تفاهم.

****

- آلو، المعذرة عن الإزعاج. مَعكِ نادلُ القطار الذي أخَذْتِهِ من جنيف إلى باريس، قبل يوميْن.

- عفوا، القطار؟ جنيف...آه، نَعم. لكنْ كيفَ تَحصَّلتَ على رَقمي؟ وما الذي تُريدُه؟

- أولاً، أنا آسِف. الأمر في غاية البَساطَة. لم أتمالكْ عيني من التقاط اسمكِ ولقبِكِ اللذيْن ظهرا على تَذكرة سفرك، التي كانت فوقَ طاولتكِ الصغيرة لما قدَّمتُ لَكِ كأسَ النبيذ. حفظتُهما عن ظَهْر قلبٍ. وبَعدها بحثتُ عن رقمك في الشبكة. وجدتُه في ثَوانٍ.

- طيّب، طيّب، وماذا تُريد؟

- لم أتمالك نفسي من سماع مُحاوَرَتكِ مع ذلك الشابّ. أظنُّهُ تونسيّ. أنا أيضا والدي تونسي. وأمّي فرنسيّة. ولذلك وددتُ أن أشارككَ حكايتي.

- تفضَّل. لديَّ دقيقة واحِدة. وقتي ضَيّق.

- تعرَّفَ أبي على أمّي الباريسيّة، ذات الأصول الارستقراطية، حين جاءَت سائحةً إلى تونس. التقيَا، وكان حبٌّ من نظرةٍ واحدة. بعد زواجهما في القنصليّة، انتقلا للعيش في باريس. تَفَرْنَسَ أبي أكثرَ من الفرنسيين، كان مَلَكيًّا أكثرَ من المَلك. رفض الحديث بالعربيّة. لا يطيق كلمة: "عربي". تثيرُ حفيظَتَه، فيصير مثلَ ثَورٍ أهوجَ. (الراوي غامزًا: أرجو ألا تتحول القِصَّة إلى مَرعى أبْقار !). بلا أرضٍ أنا، ولا ذكرياتٍ في بلدي. فرّطَ والدي في كلّ شيء. تسحرني حروفُ العربيّة حين أسمعها، أسمع من خَلَلِها أهازيجَ الفلاّحين. أتصوّر كل حرفٍ حقلاً يمتدّ وتتعرّج فيه الزياتين. ليتني أتَعَلَّمها مع ذلك الشاب. ماذا لو نَلتَقي ثلاثتُنا؟ هل لديكِ رقم هاتفه؟

- هناك سوء تفاهم كبيرٌ.

التقى الثلاثة في مقهًى أمامَ المحطة ينتظرون انطلاقَ القطار، ("قطار التاريخ"، انفلتَتْ العبارةُ سَهوًا من الراوي). ينظرون إلى القاطرات، يَدخُل بَعضها إلى المَحطة والآخرُ يَخرج منها، بطيئةً ثم تتسارعُ، دونَ أنْ تُطلقَ أيَّ صفيرٍ. بعدَ دقائق، استقلوا القِطَارَ نحوَ الجَنوب. كانت عَربَتهم مُكتظَّة. الناس فيها مغمورون مجهولون. ظلّ الثلاثة ينظرون إلى بَعضهم البَعض، صامتينَ. من حين لآخَرَ، يَرمقون البِناءات التي تَنحني على صُدُورهم. يَعلو الوجوهَ سُؤالٌ عن المَطالع والـمَغارِس. نَحوَ الجنوب.

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard