فشّة خلق "أولاد آدم": لا زيادة ولا نقصان

18 نوار 2020 | 21:59

المصدر: "النهار"

أبطال المسلسل، قيس الشيخ نجيب ودانييلا رحمة، ماغي بو غصن ومكسيم خليل.

يسير "أولاد آدم" في مسار تصاعدي يُبقي على حماسة لعبة حبْس الأنفاس. السباق الرمضاني في أسبوعه الأخير، والمسلسل لم يفرّط بأوراقه الرابحة. مشغول صحّ، نصّه منضبط، إخراجه لائق. في جيب كلّ ممثّل، المفاتيح المناسبة للباب المناسب. عمل محصّن، لا مياه آسنة تجري تحته، لديه في كلّ حلقة دافع للتقدُّم. رمضان حزين هذه السنة. "أولاد آدم" يمسح بعض أحزانه.

ماغي بو غصن ومكسيم خليل.

رامي كوسا كاتب جيّد، قلمه واثق، شخوصه في قلب النار. يقدّم نصاً له روحه، متماسك، لا يعاني بتر الأجزاء. يضعه بين يدي الليث حجو ولمعان كاميرته. "يرقّعان" الظرف ويتحايلان على لعناته، فيقدّمان وجبة شهية، لا احتراق فيها، لا زيادة ولا نقصان. إنّه الواقع اللبناني على حقيقته، بخطايا ناسه ووجوههم المفضوحة، وخفايا المسائل الكبرى المتعلّقة بالنفوذ والرقاب والمصير والصفقة. السياسة اللبنانية في أوراق كاتب سوري وأمام عدسة مخرج سوري، من جانبها العاري، حيث الكبار يلتهمون الصغار ولا يُبقون منهم سوى العظم، وحيث خلف الأقنعة مَن يدوسون على الناس بلا شفقة، بأعصاب باردة ووجوه ضاحكة، ويُكملون الطريق فوق أوجاعهم. 

دانييلا رحمة وقيس الشيخ نجيب.

التمثيل أنيق، الكاركتيرات مغمّسة بالذنب، ضمائرها مُعذّبة. "أولاد آدم" ("أم تي في") مرآة الأرواح المهشّمة، يحاكي ما خُفي في النفس البشرية، من دون مغالاة أو إفراط في الندب. ردود الأفعال ممسوكة في كلّ شخصية، وفق صدى الصفعة. الجميع يقدّم أفضل ما عنده: مكسيم خليل، بالسيطرة الكاملة على الدور، بالاستفزاز الصريح والوضاعة المُعلنة ودفاعه الشرس عن نذالته. ماغي بو غصن بأوجاع الروح وهي تتملّكها، فتدفعها إلى الخطيئة. تنطلق الآن إلى جولة جديدة من حرب البشر. فضيحة الزوج وسقوط قناعه، يجرّانها إلى صلب المواجهة، بعدما اعتمدت في السابق منطق الهروب وأنصاف الحلول. تتماسك، والداخل انهيارات واهتزاز، وتتظاهر بالقوّة وهي في عزّ الضعف، مواجهتها مع غسان في الصميم. كلاهما مخطئ، لكنّ موازين الذنوب ليست ذاتها. في النهاية، هذه الأرض للخطأة. الملائكة يستريحون في السماء. في العمق، أيضاً، دانييلا رحمة بشخصية تكسب السباق. تجديد، وتأكيد وجود. قفزة رمضان. مايا أمام مفترق، مُحمَّلة بالماضي الأليم والمستقبل الملبّد بالضباب. انكسار تلو الآخر، تختزله بالنظرة والارتماء ثم الوقوف. أداء ممتاز، تستحقّ الفرص.

ندى أبو فرحات.

المسلسل كاراكتيرات وقضايا، يوفّق بينهما باتقان. هنا الخيانة المعلّبة وكذبة الأشخاص، وهنا أيضاً دوران الأيام، والظلم بأشكاله وألوانه. قيس الشيخ نجيب بشخصية سعد، نجم الساحة بين جميع الأسماء، لا يكترث لخفوت وهج الموسم، فوهجه مشتعل. النشل كتعويض عما أخذته الحياة، والمقايضة كبديل من الحقّ المسلوب. شخصية تختزل الإخفاق والسقوط وتضييع فرصة الأقدار المبتسمة. صدَّ الحبّ كأنّه عدوّ آخر، سينتهي به إلى الهزيمة، وأغلق في وجهه الأبواب المشرّعة على البدايات الجديدة. لكلّ شخصية رواية، تلتقي جميعها عند أعتاب الخطيئة. سجلّاتهم طافحة بالأحكام، والبراءة مجرّد إرجاء للمحاسبة. درامياً، العمل جاذب، بعض الثغر في منطق الأمور، لا تُعمي النظر عن التماسُك. حلقاته واثقة، ثمة دائماً ما ينتظر المُشاهد. النوم على حرير غير مُحبَّب، تماماً كالاطمئنان إلى أنّ كلّ شيء بخير.

رودني الحداد.

السجن عالم آخر، مكشوف على الأسئلة: كيف تُمرّر الرشوة؟ كيف يرخّص ابن الدولة نفسه؟ كيف يُباع الدركي بعشرة دولارات؟ والأهم، كيف يتساوى "الواصل" و"المعتّر" في الاستخفاف بالقانون، فينجو الأول كالشعرة من العجينة، فيما يُحاسب الثاني ويتحمّس الجميع لتطبيق العدالة على ظهره.

طلال الجردي.

رودني الحداد حضور إضافي، وطلال الجردي يملأ مَشاهده، كمجدي مشموشي في شخصية قاتل القتيل والباكي في جنازته. الأسماء المناسبة في أماكنها الصحّ: ندى أبو فرحات، كارول عبود، سوسن أبو عفار، أنس طيارة، ريان حركة، ومرور رانيا عيسى. لا فراغات في المواقع. الليث حجو قائد الأوركسترا. كاميرته سيمفونية.


اقرأ أيضاً: ماغي بو غصن: كذبة الصورة

[email protected]

Twitter: @abdallah_fatima

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard