كيف كشف "كورونا" الوجه الحقيقي للديمقراطيّات؟

18 نوار 2020 | 10:29

المصدر: النهار

أنت تحت المراقبة!

في هذا العصر الرقمي، تحولت حياتنا إلى مجتمعات افتراضية خلف الشاشات الصغيرة، وفي ضوء جائحة "كورونا"، زاد عدد الساعات التي نقضيها على هواتفنا بشكل كبير بسبب الحجر الصحي والعزلة الذاتية، حيث تشير معلومات الى أن المحجورين أمضوا معظم يومهم على منصات وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك التي سجلت زيادة بنسبة 27٪ في ساعات الاستعمال الخاصة ونتفلكس التي سجلت أيضًا زيادة بنسبة 16٪، وفقًا لما ذكرته "نيويورك تايمز".

أرسلت المؤسسات والشركات طلابها وموظفيها للعمل عن بُعد باستخدام أنظمة أساسية مثل "سكايب" أو "زوم" أو "غوغل كلاس روم"، من بين العديد من الأنظمة الأخرى. لكن، إذا قرأت بعناية الشروط والأحكام التي وافقت عليها أثناء فتح أو تثبيت هذه الخدمات، فسترى أن هناك ثغرات في سياسة الخصوصية الخاصة بهم والتي يمكن لأطراف ثالثة الوصول من خلالها إلى كاميرا الويب الخاصة بك والمحتوى الذي تشاركه. على الرغم من أن شروط واتفاقيات التطبيقات المستخدمة على نطاق واسع تعد خرقًا غير أخلاقي لخصوصيتك من بين العواقب السلبية الأخرى، إلا أن عدم وجود هذا التطبيق يمكن أن يخرجك من العالم الافتراضي ويجعلك تشعر بالاستبعاد. خاصة الآن، يمتلك فيسبوك واتساب و انستاغرام والعديد من التطبيقات الأخرى. ما يحدث اليوم هو سباق بين جميع هذه المنصات للحصول على مبالغ ضخمة من الأرباح وكمية أكبر من البيانات.

العديد من الناس لا يدركون تمامًا أن حكومتهم تستخدم هذا الوباء كحافز "لزيادة" - لأنها كانت موجودًة بالفعل - المراقبة الجماعية على المجتمع. نظرًا لأن "كورونا" كان سببًا وراء زيادة نشاط المراقبة الجماعية، لكن أسوأ ما في الأمر هو أن بعض المواطنين لا يضايقهم حقيقة أن خصوصيتهم يتم اختطافها طالما أن المراقبة تحد من انتشار الفيروس.

من بين التقنيات للحد من انتشار الفيروس، الحجر الصحي والاختبارات ذات النتائج السريعة، إلا أن هناك من يعتمد المراقبة الجماعية التي تمكن من تتبع المكالمات والمواقع وقراءة الرسائل ما قد يعكس أن الأنظمة الديمقراطية ستتحول قريبًا إلى حكومات استبدادية وديكتاتورية.

تهدد المراقبة الجماعية الديمقراطية أولاً وقبل كل شيء. ما هي الديمقراطية بدون حرية؟ بعض الأنظمة الديمقراطية "المزعومة" زادت من رقابتها على مواطنيها وعلى أي شخص يعيش داخل أراضيها، ما أقنع وسائل الإعلام بأن الغرض الوحيد من المراقبة هو تتبع وتحديد انتشار الفيروس التاجي الجديد. هذا السياق ليس سوى حصان طروادة الذي سيثبت لاحقًا أنه أداة سياسية للحصول على بيانات المواطن الشخصيّة للانتخابات والحروب والإعلان وقائمة طويلة من الأهداف الفاسدة. لجعل مفهوم جمع البيانات بالكامل أكثر وضوحًا، شاهد "الاختراق الكبير" على نتفلكس. إنه فيلم وثائقي يصور كيف استخدمت كيمبردج أناليتيكا البيانات عبر الإنترنت، وخاصة من فيسبوك لتحويل عدد الأصوات لصالح مرشح واحد.

تم تصميم الخوارزمية لدراسة سلوكك لإنشاء نمط بيانات يشكل ملفك الشخصي الرقمي. تتم مشاركة هذه الخوارزمية مع وكالات الإعلان والجهات الخارجية من أجل إعطاء إعلانات محددة. لهذا السبب عندما تبحث عن شيء ما، سواء كانت جامعة أو ملابس أو سيارة، فإنك تشاهد إعلانات عنها عندما تتصفح الويب. يمكن استخدام جمع البيانات كطعم للتأطير: يمكن اعتبار الشخص البريء مذنبًا إذا أظهرت البيانات التي تم جمعها نشاطًا مشبوهًا أو حركة مشابهة لحركة مشتبه فيه أو مجرم. سيضطر الكثير من الأبرياء إلى مواجهة الظلم القاسي. أخيراً وليس آخراً، يتم استخدام المراقبة الجماعية للأغراض العسكرية، لا سيما في هجمات الطائرات من دون طيار. يتم تعقب شخص مستهدف لأسابيع قبل أن تقرر القوات العسكرية إطلاق الصواريخ.

إذا كان للمراقبة بعض الفوائد عندما يتعلق الأمر بالقبض على المجرمين، فإن المراقبة الجماعية ستجعلنا جميعًا مشتبهًا بهم حتى اثبات خلاف ذلك، مع ما يتبع ذلك من تجريدنا من حريتنا وخصوصيتنا.

تمهد رأسمالية التكنولوجيا الطريق لشيوعية تكنولوجية تقاتل من أجل المضطهدين - المراقَبين - ضد الظالم - الحكومة وشركات البيانات الضخمة. سيكون هناك هذان المعسكران المعاديان يقاتلان بعضهما البعض في العالم الافتراضي وفي عالمنا الحقيقي. أولئك الذين يمتلكون البيانات يمتلكون القوة وأولئك الذين يقدمون البيانات يتم استغلالهم من قبل هذه الشركات التي عادة ما تكون مملوكة للقطاع الخاص وأحياناً تعقد صفقات مع الحكومات. وكلما سُمح للحكومات بجمع البيانات، زادت صعوبة عودة المجتمعات إلى "الوضع الطبيعي".

في حالة لبنان، ليس هناك شيء طبيعي للعودة إليه. قريباً، سوف يفقد نصف السكان وظائفهم. تزداد أسعار المواد الغذائية والمرافق اليومية الأساسية كل يوم، ونحن في منتصف أزمة اقتصادية وصحية ومستقبلنا ملطخ بالغموض والخوف. إذا تمكنت الحكومة وشركات البيانات الضخمة من تنفيذ مراقبة جماعية في بلد مثل لبنان، حتى لو كانت خلال أزمة صحية، فسيجد المواطنون صعوبة في العودة إلى الشوارع والاحتجاج تحت الطغيان المشكل حديثًا.

كن على علم، كن مسؤولاً، والأهم من ذلك، كن حراً.


ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard