المقهى الرمضاني الطرابلسي المزدحم... "مناعة الفقر والتديّن"

15 نوار 2020 | 14:32

المصدر: "النهار"

مشهد ليل الخميس.

كأنها ليالٍ مقتطعة من رمضان ما قبل "كورونا". يكتظّ "مقهى موسى" في محلّة باب الرمل في طرابلس بروّاده، غير الآبهين بقرار التعبئة الصارم الذي فرضته الحكومة. الرواد لا يؤمنون بأن ملازمة البيوت تحافظ على أمانهم الصحي.

التزاحم يلغي المسافات الآمنة. لا تلتقط عيناك كمامة واحدة ولو "من طريق الخطأ". اللامبالاة تحتل المشهد، وهي تتناسل من خلاصات منافية لإرشادات الوقاية في لبنان وفي كل العالم، يتحصّن بها هؤلاء الرواد، اعتقادًا بأنها تكفيهم شرّ "كورونا".

باب رزق

بالكاد سرّب الليل على طرابلس، حتى بدأ شبان ورجال بالتداعي الى المقهى المعروف بلياليه الرمضانية المسترسلة حتى الفجر. "النهار" تنقلت في هذا المجال الطرابلسي، حيث استشفّت حالة تمرد على الحجر، تأبى أن تنكث باجتماعيات ما بعد الفطور، برغم كل الروادع، المالية والصحية و"الحياتية".

ففيما ينهمك بإعداد نفس المعسّل لأحد زبائنه، يكشف وسيم، القيّم على المقهى (تحفظ عن ذكر اسمه كاملاً)، بأن الضائقة المالية تمنعه عن تسكير باب الموسم، فيقول: "لدينا أولاد ينتظرون ثياب العيد. أنا مسؤول عن عاملين في المقهى يحتاجون نقودًا ليأكلوا. ولا أستطيع أن أساعدهم سوى بفتحه. لا أجني أرباحًا باهظة، ولكنها كافية لكي لا نحتاج أحدًا".

وفي سؤال عن إجراءات قوى الأمن المتخذة بشأن خرق التعبئة، يوضح "بصراحة، أعتبر أن قوى الأمن تراعي وضعنا. لا سيما وأن لا إصابات لدينا. الناس في طرابلس غير مصدّقة لوجود "كورونا". الله هو الحامي". ويعبّر أنّ "كورونا" كذبة، قائلًا: "لسنا أولادًا. لا يستطيعون بعد الآن خداعنا بموضوع "كورونا". لعبة أولاد هذه، التي تخبرنا بأنّ "كورونا" موجودة منذ السابعة مساء".

وفعلًا، كانت قوى الأمن قد أطلقت دوريات في طرابلس وعكار لقمع المحال والمقاهي المخالفة للتعبئة. لكن، يتساءل المراقبون على أي أساس يستمرّ الخرق في بعض المقاهي ويقمع في مقاهٍ أخرى. مثالاً على ذلك، بقي مقهى "فهيم" مفتوحًا ليل أول أمس، وأغلق أبوابه ليل الخميس. فيما حافظت المقاهي الحديثة في الضم والفرز على التزامها التام بالتعبئة.

مناعة الفقراء

وانضم الى رفاقه في المقهى أحمد بدرا الملقّب بـ"المختار"، وهو ابن المختار شعبان بدرا، يرتشف الشاي. يعتقد بدرا بأن الفقر أكسبه وأبناء منطقته المناعة "نحن في الأساس منطقة شعبية فقيرة، عايشين "على الله" ولا يفزعنا شيء. أستدين لأعيل أولادي. أما في صغرنا، فقد شربنا المياه من الخزانات، وعشنا في النفايات، واكتسبنا مناعة قوية".

ويرفع المختار كمّ قميصه، ليكشف عن زنده الذي نحت عليه وشم عقرب، تعلوه ندبة غائرة، ليقول: "هذا طعم تلقيناه في المدرسة يقينا كل الأمراض". ويضيف مفاخرًا "وهو غير متوافر لديكم"، كأنّه فرز تلقائيًا الناس بين "نحن" غير الملتزمين بالحجر، و"أنتم" الذين تستغربون لمَ لا نلتزمه، ولا تملكون مفاتيح الانتصار على العدوى.

"كورونا" جاءت عبر المطار

يترك شوقي كسعة نبريش الأرغيلة لبرهة، ليعبّر عن تفاؤله: "نحن متفائلون لأنه لا إصابات في طرابلس. كما أنّ الاصابات تطال المسنين، فيما نحن الشباب، قادرون على تجاوز المرحلة".

ويعتقد أنّ الداخل اللبناني وخصوصًا طرابلس في مأمن من الوباء، فيما يلقي باللوم على الدولة التي "تستورد" كورونا من خلال رحلات إجلاء المغتربين، يقول: "لو أقفلت الدولة مطار بيروت لكنّا اجتزنا كورونا. المطار هو باب الوباء وينبغي إقفاله. استهتار الدولة بنا سبق استهتارنا". مضيفًا أنّ الفقر الذي ضاق به أهالي طرابلس ذرعًا، هو الدافع الأساس لتمردهم على الحجر "الدولة طلبت منا التزام الحجر، ولكن هل أعطتنا بديل المأكل والمشرب"؟

وسرعان ما يولد هنا سؤال عن أولويات المصاريف، لدى طبقة تشكو عجزها عن شراء قوت يومها، فيما يلازم رجالها المقاهي. يجيب كسعة على هذا السؤال قائلًا: "إنّ المقهى متنفسي الوحيد. بيتي هنا، في الخلف. أقصد هذا المكان كفسحة تقيني الاختناق، وبثمن زهيد جدًا"، إشارة الى أن ثمن كوب الشاي يبلغ ألف ليرة لبنانية. ولا يتردّد صاحب المقهى بتقديمه لنا مع المياه الباردة، قائلًا بأنّها ضيافة، ودفع ثمنها حلّ عليه بمثابة الشائنة.

حصانة الدّين

على بعد أمتار، يقوم بائع للكعك بتقطيع الجبن أمام موقده الصغير، فيما يدندن بنبرة هادئة أنشودة إسلامية "يا إمام الرسل يا سندي/ أنت باب الله معتمدي/ وبدنياي وآخرتي/ يا إمام الرسل خذ بيدي". وحين سألناه عن خوفه من كورونا، يصمت لبرهة، ويلحق صمته بدعوتنا لتناول الكعك. ثم يسأل "ألم تتزايد الإصابات بعد وفود الناس من الخارج؟ لماذا لا توقف الدولة اللبنانية الرحلات؟ أما الباقي فنستطيع تدبره. ليدعونا وشأننا". ويعتقد هذا البائع أنّ كورونا لن تصيب طرابلس لأنّها مدينة مباركة، يقول: "إنها مدينة الأولياء والصالحين، وستبقى في حمى الله".

هذا التفسير الديني، لا ينفرد به البائع فحسب، بل يسود لدى شريحة واسعة في طرابلس، بحسب الشهادات التي التقطناها منذ بداية تفشي "كورونا". وهو انعكاس لخلاصة في علم الاجتماع الوبائي، أرساها الباحث فيليب سترونغ، الذي درس الاستجابة المجتمعية للأوبئة من خلال معتقدات المجتمع. وعلى ضوئها، يبدو لشريحة من الطرابلسيين أنّ كورونا هو "وباء الوصم والأخلاق" قبل أن يكون وباءً بيولوجيًا، فيتفاعلون معه بالاستناد الى المعيار الديني. لذلك فهم يعتبرون أنّ الجائحة ابتلاء من الله، ولا ينجو منه سوى المتحصنين بـ "جهاز مناعة سلوكي" يلجأ للدين، أي المؤمنين ومقيمي الشعائر.

في هذا السياق، يضيف فادي سيطري، وهو أحد رواد المقهى "لقد أنعم الله علينا بالإسلام. وقَولي هذا ليس ازدراء لبقية الأديان. لكننا في طرابلس نقيم الصلوات ونتوضأ خمس مرات في اليوم، فنغتسل بالمياه ونستنشقها، وهذا تطهير متواصل يقينا الاصابة بالفيروس".

وتتكثف غمائم الدخان في فضاء المقهى، النابض برواده حتى حلول الفجر. فيما تضيئه ليلًا حبال التفت حول الشجر، وأخرى علّقت بين الأعمدة. وهي إضاءة تتسلط على مزاج خاص بطرابلس، يستعصي على كل الأمزجة العامة. وفي قلب جلبة الأحاديث، التي يتخللها صوت طبل وداع شهر رمضان، قرعه صبي يتنقل بين الطاولات، ورنّة فناجين العرقسوس وقهوة المصبات، تتكاثر التبريرات والمعتقدات التي تنكر خطر كورونا، بل وجودها. وهي جميعها تسبح في مشهد واحد يحتاج الشدشدة، لا سيما وأن الحاجة صارت ملحّة، للتعرف الى ضوابط "الضبط" في طرابلس نفسها، حيث الشدة والتراخي في تطبيق الحجر يتوّجان تناقضات مدينة لا تشبه سواها، في رمضان و"كورونا" وعبر كل الأزمات.

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم (فيديو)

نكبة الجميزة كما يرويها أهلها: شهادات القهر والدم


إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard