علبة سوداء

15 نوار 2020 | 11:06

المصدر: "النهار"

تخبّط المشاعر (تعبيرية- Ivana Dostal).

الأسرار الأسرار. تبًّا للأسرار ما أشدّ حلكتها. وما أوقحها. لأنّها أسرار.

نحيا ونموت. ثمّ نحيا ونموت. وفي الفواصل بين الحياة والموت، كثيرةٌ وكثيفةٌ هي الأسرار، التي إمّا لا نبوح بها وإمّا لا ندركها.

أكتب بصيغة الجمع، وأنا أقصد المفرد. سحقًا لي لأنّي أستخدم الجمع، وأتفادى استخدام الأنا المضرّجة بأسرارها، تلك المدركة وهاتيك غير المدركة.

هاتيك التي لا ندركها، هل نعرف، هل أحدٌ يعرف، أنّ وقعها أقوى من تلك التي لم نكتشفها بعد؟

هل نعرف أنّها أسوأ من تلك التي لن نكتشفها، لسبب او لآخر؟!

المعركة دائرةٌ رحاها في أراضينا، وهي الأذهان. معركة الوعي واللاوعي هذه، لا تبارح مكانها في أذهاننا. إنّها مطحنةٌ تطحن. وتهرس. وتُعمي. إلى حدٍّ لا نعود فيه ندرك فارقًا بين واقعٍ وخيال، بين حقيقةٍ ووهم، وبين وجعٍ وألم.

معارك الأسرار، ما أوجعها! تضيّع قلوبنا بين الألم والملل، وتعلّق عقولنا بين قطبَي القرار واللاقرار... خوفًا بل هربًا بل فرارًا من مأزق القرار، ومن ضجر اللاقرار.

في مكانٍ ما من اللامكان، نتساءل لماذا نترنّح بين دفّتَي الألم واللذ؟

لماذا نترنح؟! لماذا؟!

نهرع (أهرع) إلى غوستاف لوبون، فيلسوفنا الفرنسيّ، فيقول لنا إنّ الانسان قدره أنْ يقضي حياته معلّقًا - ممزّقًا – مصلوبًا بين مسمارَي الألم واللذة.

لكنّه يطمئننا مؤكّدًا أنّ هذه المسألة طبيعيّة للغاية، إذ إنّ عواطفنا ومشاعرنا هي صاحبة القرار، وإنْ لم تكن تحتلّ المقام الأوّل.

فالعقل والتعقّل، والتفكير والتفكر تحلّ أوّلا، لكنّ القرار تتخذه مشاعرنا وعواطفنا التي تقدّم للعقل الذرائع والتبريرات والمحاججات المنطقيّة، ليصبح الذهن أكثر اقتناعا بهذا القرار، حتّى ليبدو في النهاية "منطقيًّا" و"عقلانيًّا".

العقل مسكين. مسكينٌ هو العقل، ونرجسيٌّ. وهذا سرٌّ ليس كالأسرار.

يريد العقل لنفسه أن يكون صاحب السيادة في حياتنا. كلّما كنّا "متعقّلين"، ظننّا – يا لتعاستنا - أنّنا نكتسب احترام مَن حولنا أكثر.

وكلّما كنّا عاطفيّين، تَصَوّرنا أنفسنا، وصَوَّرنا الآخرون، بأنّنا متهوّرون، انفعاليّون، غرائزيّون.

وتوّهمنا بأنّ الحياة قد برمجتنا على هذه السويّة في كل النواحي، و... آمن كلٌّ منّا بأنّ هذه طبيعتنا.

وقد صدّقنا الكذبة!

يقول ادوارد بيرنيز: الكذبة التي تُقال مرارًا تتحوّل مع الوقت والتكرار، الى حقيقة. تصير هي الحقيقة.

هذه هي حالنا مع الإعلانات التسويقية التي نتعرّض للعشرات وربّما للمئات منها في اليوم الواحد، والتي تثير فينا العواطف والانفعالات والمكبوتات، لكنّها – وهنا تكمن المفارقة السرّيّة - تقنعنا بأنّ اقتناعنا بها قد تمّ تحت شمس العقل والمنطق والوقائع والحقائق.

تمامًا كما تفعل بنا السياسة.

وتمامًا كما يفعل بنا أهل السياسة.

الحقائق حاضرةٌ دومًا لتدعم وجهات النظر.

والوقائع دائمًا موجودة لتثبت قدسيّة إيديولوجيّاتها.

والمنطق مسخّرٌ لإقناعنا بما هو خطأ أو بما هو صواب.

... لكنّنا – في السرّ الذي ما بعده من سرّ - لا ندرك أنّ مشاعرنا هي صاحبة القرار أوّلًا وأخيرًا.

هي ردّ فعلنا حيال أيّ مسألة. وهي التي تعطينا الضوء الأخصر لاتخاذ أيّ قرار، مهما كنا مقتنعين به.

مشاعرنا، هي عقلنا. ومنطقنا.

مشاعرنا هي تلك العلبة السوداء التي تحمل الكثير من الحقيقة، لكنّنا لا ندركها.

هي وحدها التي تدرك. وحدها التي تدرك. لا عقلنا، الذي ينصاع ضمنًا لكينونتنا العاطفيّة في تلك اللحظات.

تلك العلبة السوداء، إمّا لا نعرف كيف نفتحها، وإمّا نخاف منها وممّا فيها من خبايا وأسرار، لا نقدر على مواجهتها، أو بكلّ بساطة: لا نريد مواجهتها.

أكتب في صيغة الجمع وأنا أريد المفرد. وها أنا أعود إلى ضمير المتكلّم، لأعترف بهذا السرّ: لطالما راودتني هذه الأفكار، وأنا أراقب "اللعبة" الاعلاميّة

التي تتشكّل بها شخصيّاتنا وهوّيّاتنا وسلوكاتنا.

لقد خضتُ في أنفاق التحليل والتشريح والمراقبة والملاحظة، لعلّني أهتدي، لكنّي فشلت.

فشلتُ، ليس في التحليلات المنطقيّة، بل في التحليلات العاطفيّة. فشلتُ مع نفسي. وفشلتُ أقلّ مع الآخرين. وأواصل فشلي الذريع، أكثر وأكبر، كلّما اعتقدتُ أنّي أنضج، أو أنّي قد نضجتُ.

تلك العلبة السوداء تخيفني. كلّما شارفتُ فتحها، تردّدتُ. كأنها قفيرُ نحلٍ برّيّ سينقضّ عليَّ من كلّ صوب، من الماضي الجديد، من الحاضر المتشعب، ومن المستقبل الوهميّ.

أقول الماضي الجديد، لأنّي كلّما نظرتُ الى الماضي بعد حين، بات ذكرى جديدة.

وأقول الحاضر المتشعب، لأنّه يلتفّ دومًا حول الماضي والمستقبل. ففي "الحاضر" نعيش متأرجحين بين الزمنَين.

وأقول المستقبل الوهميّ لأنّه إسقاطاتٌ خياليّة من ماضٍ متجدّدٍ مجهول.

المعاني تضيع. المفاهيم تنهار. تختلط مياه المشاعر بمياه العقل، وتبقى تلك العلبة السوداء هي صندوق الحقيقة.

المشاعر لا تكذب. العقل هو الكاذب. لأنّه جبان. جبانٌ وأنانيّ. والعقل يخاف. يخاف المشاعر لأنّها حقيقة.

الأسرار الأسرار. تبًّا للأسرار. نحن قابعون قابعون قابعون، فيها، في تلك العلبة السوداء، التي تحمل الحقيقة. ونحن نخاف تلك العلبة، لأنّها علبة الحقيقة.

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard