أمّ المنهبة وأبوها

9 نوار 2020 | 15:38

المصدر: "النهار"

تصوير مارك فياض.

تتفجّر ملفات الفساد، وتتساقط الأرقام على الرؤوس. مؤتمرات صحافية متلاحقة للتبرّؤ وادّعاء الطهارة. أكثر ما يثير الغضب المكتوم في قلوب المواطنين، انكشاف سعي مكوّنات رئيسية في السلطة إلى الدفع في ملفات جزئية للاستثمار فيها لحرف الأنظار عما هو أكبر وأخطر، لكن المنهبة بدأت على العموم قبل عقود، وأنتم تناسلتم الحكم، فأين كانت هذه الحميّة؟

من البداية، ينبغي التذكير بأن الزمن بعد ثورة تشرين دخلت عليه متغيرات جوهرية. تصويب المواطنين على مسؤولية كل الطبقة السياسية عن الإفقار والتجويع، بدّل الصورة، والأمر مستمر رغم أن جملة معطيات أهمها الجائحة، علّقت ضغط الساحات. لكن لو تم التوقف جيداً أمام ترّهات وسلوكيات كثر من أركان الطبقة السياسية المتهمة، لرأينا أنهم يتقصّدون القول في إعلان الكثير من المواقف، أنه بعد ثورة تشرين لا نستطيع أن نُكمل كما في السابق، ولا يتورّع بعضهم عن التغني بمطالب الثورة وأنه يتحرك بوحي منها... إلى آخر المعزوفة.

وراء كل صخب المؤتمرات الصحافية وما يرافقها من فجور إعلامي وسعي دؤوب إلى إلقاء التهمة على الفريق الآخر، تأكيد المؤكد، وهو أن للمنهبة أمّاً وأباً، وأن قدرة المواطنين الهائلة على تجاوز ما كان يعتبر معوقات مناطقية تارة، وطائفية في غالب الأحيان، جعلت مافيا الحكم تكتشف متأخرة أن وعياً مدنياً وطنياً ينهض كالإعصار، وأن التفكك يتقدم بين جماهير الأحزاب الطائفية التي ضربت الأزمة أمنها المعيشي، والاستقرار النسبي الذي كانت عليه البيوت، في أحياء الفقر في المدن كما في القرى التي فرغت من شبابها وبارت أراضيها، فانكشف أمامه عجز الحكم وعدم قدرته على التحكم بمسار الأمور.

ظهر الفراغ على صعيد القدرة على ممارسة المسؤولية وبدت حكومة الأقنعة واجهة مخروقة لا تملك القدرة أو الأهلية على إدارة الأزمة!

عاد حسن فضل الله يتصدر الشاشة في توقيت لافت، وهو الذي يتحف المواطنين منذ سنوات بأنه لو تم كشف الملفات التي يملك لتدحرجت الرؤوس(...) والهاجس هو هو: تغطية مسؤولية "حزب الله" عن الانهيار وهو الشريك في كل القرارات منذ العام 1996. واتسع البخّ العوني حيث يتكئ هذا الفريق الآن على قرار توقيف مديرة النفط أورور فغالي المحسوبة مباشرة على الوزير باسيل، ويرفق حملته الإعلامية بقرع طبول المحاسبة والتضليل، والهدف حصر الاهتمام فقط بصفقة (أو صفقات) الفيول المغشوش لإبعاد الملفات الأكبر، وبالتأكيد السعي إلى تبييض الصفحة في الربع الأخير من الولاية!

لحمة مواقفهم وسداها: نحن الذين أبلغنا، وتم الإبلاغ إلى قضاة بعينهم كي تبقى الأمور تحت السيطرة، فكان التحرك السريع، استدعاءات وملاحقات سريعة وقرارت بالتوقيف، والهدف هو هو: غضّ النظر عما هو أكبر. وكنا حذرنا من مسعى البعض حصر المسؤولية في بعض سياسات الانهيار بصغارهم.

باختصار؛ البلد أمام خطة "خلاص" مزعومة من شأنها أن تفاقم الخراب وتدمر الحياة، لأنها لم تستند إلى حصر جدي لمعطيات عن العائدات التي لا يتم تحصيلها، ومعطيات حول الواردات التي لا تدخل الخزينة، وعائدات كبيرة تتوزعها مافيا الحكم خصوصاً في الكهرباء والسدود والأملاك البحرية والنهرية والمشاعات. وبعدها كان ينبغي أن تدرس خطوات التوجه إلى الخارج، وأي خارج؟

البلد أمام منهبة لم تتوقف. مع كل شروق شمس يتم تهريب مليوني ليتر من المحروقات إلى سوريا حيث يخضع النظام السوري للعقوبات، والأرقام واضحة. كان استهلاك الفيول في العام 2018 في حدود 1174 طناً، لكن الاستيراد ارتفع في العام 2019 إلى 5619 طناً، علماً أن الفيول مدعوم من مصرف لبنان. وما يقال عن المحروقات يقال عن الطحين المدعوم أيضاً الذي يتم تهريبه كذلك، وما من جهة تتحرك لإقفال معابر التهريب التي عددتها الجهات الرسمية بأنها 126 معبرا،ً ومعها تشحّ الدولارات من حسابات المصرف المركزي فيما تنتفخ جيوب مافيا الحكم وتؤمّن الدويلة جانباً من تمويلها وتستمر منهبة كارتل النفط والطحين!

هنا يثور السؤال طارحاً نفسه: هل من علاقة ما بين اتساع التهريب وعلى عينك يا شاطر، وتوقف الحملة التي شيطنت "أمين" المال رياض سلامة وكادت أن تكون أشبه بمحاكمة ميدانية له؟!

هنا نفتح مزدوجين للإشارة إلى أن "لا مَنٌّ ولا سلوى من صندوق النقد". من المرجح أن تكون النتائج المالية أقل من المتوقع، ولو تعثر التفاوض، والأمر غير مستبعد، فالأبواب ستقفل أمام إمكان البحث مع جهات أخرى. فهل سيكون البلد أمام شتى الممارسات الأمنية، بذريعة الحرص على الأمن والسلامة وتلافي الفوضى؟

تتفاقم الممارسات لجهة التوقيفات للناشطين المدنيين. فإلى المناضلَين محمود مروة ووضاح غنوي، هناك العشرات، ولم تعد مخفية الأساليب المتبعة مع الموقوفين وكيفية "انتزاع الاعترافات"، ومن ثم الاستدعاءات "على فنجان قهوة" كما مع الصحافي أيمن شروف الذي رفض التلبية، وتثير الحملة احتجاجات واسعة، وقد دعمت الجهات القانونية كما الشارع موقفه في وجه هذا القفز فوق المندرجات المحددة بالقانون!

مع تفاقم الجوع لا تشي ممارسات السلطة بغير أنها تعدُّ إلى الانتقال إلى القبضة الأمنية للإطباق على المحتجين، حيث لم يعد خافياً أن بيئات واسعة في لبنان تعاني من تداعيات الانهيار الكبير الذي انعكس تدهوراً حاداً في مستوى المعيشة. يثير القلق، أن الحكم فرض قيوداً على السلطة القضائية، فبعد منعها من بتّ الملفات المرتبطة بالودائع ومصادرتها بعد المقامرة بها، جاءت عرقلة التشكيلات القضائية لتكمل "النقل بالزعرور". فبعد اعتبار رئيس الجمهورية أن "شائبات" تطال التشكيلات، كانت لافتة جداً حملة النائب جورج عدوان وما حملته من تطاول على مجلس القضاء الأعلى واتهامات، والطريف أن زميله في كتلة نواب "القوات" القاضي السابق عقيص كان قد دافع بضراوة عن التشكيلات ووصفها بالإنجاز الكبير. فماذا يخفي انضمام "القوات" إلى التيار العوني في هذه المسألة؟ وماذا يخفي هذا الموقف الذي يلي مواقف من دور "القوات" في تأمين النصاب النيابي وتأمين الثقة بحكومة الأقنعة، إلى مشاركة جعجع في لقاء بعبدا، إلى اصطدام أطروحاتها بوعي جديد اخترق كذلك ما كانت تعتبره بيئة خاصة بها؟ 

اليوم، كما في الأمس، لا أولوية قبل السعي لإعادة الاعتبار إلى ميزان القوى بين المواطنين وكل الطبقة السياسية، وليس الثنائي القائد وحده، ولا بديل من العمل الميداني المباشر مع الموجوعين، من المدينة إلى آخر بلدة، لاستجماع القوى وبلورة برنامج المرحلة الانتقالية. لأنه على بلورة الأهداف يتوقف الكثير في معركة طويلة جداً ومع واجهة سلطة ليس لديها ما تخسره لا في السياسة ولا في الشعبية!

ما رأيكم بتحضير هذه الحلوى العراقية بمكوّنات بسيطة مع المدونة ديما الأسدي؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard