هل يعيد "كورونا" إردوغان إلى العائلة الأطلسيّة؟

7 نوار 2020 | 18:35

المصدر: "النهار"

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يصل إلى لندن لحضور قمة دول حلف شمال الأطلسي، كانون الأول 2019 - "أ ب"

برزت مؤخّراً إشارات صادرة من أنقرة يمكن أن تبشّر بإعادة خلط أوراق السياسة الخارجيّة التركية. منذ انفتاحه على الروس وانخراطه في مسار أستانا وشرائه منظومة أس-400 الروسيّة، حذّر خبراء غربيّون من أنّ الرئيس التركيّ رجب طيب إردوغان ابتعد كثيراً عن حلف شمال الأطلسيّ، بحيث صار حليفاً أطلسياً بالاسم فقط. واتّهمه البعض بأنّه "تهديد" للحلف الأطلسيّ. 

من إدلب إلى "كوفيد-19"

لكنّ الهجوم الذي شنّته القوّات السوريّة مدعومة من الطيران الروسيّ ضدّ محافظة إدلب بين كانون الأوّل 2019 وأوائل آذار 2020 وضع إردوغان أمام حسابات جديدة خلاصتها أنّ الاعتماد على موسكو لتحقيق أهدافه في سوريا قد لا يكون مضمون النتائج دائماً. صحيح أنّ اللقاءات بين إردوغان ونظيره الروسيّ فلاديمير بوتين لم تنقطع، وآخرها قمّة 5 آذار في موسكو التي أدّت إلى وقف لإطلاق النار، لكن بالنسبة إلى تركيا، لم يعد بالإمكان كثيراً التنبّؤ بتحرّكات روسيا. ففي نهاية المطاف، لم يكن وقف إطلاق النار الأخير الأوّل من نوعه.

من ناحية ثانية، يواجه إردوغان مشكلة تفشّي فيروس "كورونا" في تركيا بحيث تخطى عدد الإصابات 131 ألفاً بحلول الأربعاء. ولم يكن هنالك ارتياح شعبيّ في أداء الحكومة لمواجهة الفيروس إذ وجد 40% من الأتراك فقط الأداء الحكوميّ ناجحاً في هذا المضمار. حتى أنّ الأزمة كادت أن تطيح وزير الداخليّة سليمان صويلو الذي قدّم استقالته عقب فرض منع تجوّل فجائيّ الجمعة في 10 نيسان ممّا أدّى إلى تقاطر المواطنين إلى المتاجر للتموّن قبل الإغلاق الكامل في 11 و 12 نيسان. ولم يُعطَ المواطنون سوى ساعتين من الإنذار الأمر الذي ساهم بتسريع اكتظاظ المواطنين أمام المتاجر.

في حين رفض الرئيس التركيّ استقالة وزيره برز عدد من التحدّيات الأخرى أمام حكومته بسبب "كوفيد-19". فقيمة الليرة التركيّة تتآكل سريعاً وعانت اليوم من تدنّ قياسيّ حيث بلغت 7.25 أمام الدولار وهي القيمة نفسها التي بلغتها في آب 2018. حينها، هبطت الليرة بفعل العقوبات التي فرضها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب على تركيا لاستمرارها في احتجاز القس الأميركيّ أندرو برانسون.

وانخفضت الليرة اليوم بسبب توقع مستثمرين عدم قبول الاحتياطيّ الفيديراليّ بفتح خط مقايضة لدعم احتياطات تركيا المتآكلة. وفقدت الليرة التركيّة 18% من قيمتها أمام الدولار منذ مطلع السنة الحاليّة. كذلك، تعاني تركيا من نسبة بطالة مرتفعة قاربت 13.8% في كانون الثاني، علماً أنّ الرقم الحاليّ أعلى بكثير بسبب تفشّي "كورونا".

حافظ إردوغان على علاقات إيجابيّة مع ترامب وأرسل مساعدة إلى الولايات المتّحدة الشهر الماضي عبارة عن مئات الآلاف من الكمّامات الجراحيّة والأقنعة الوقائيّة ومئات الغالونات من المطهّرات وغيرها. وشرح رئيس "منظّمة التراث التركيّ" علي تشينار هذه المساعدة بكونها تظهر قيمة الصداقة والنزاهة والإنسانيّة. وكتب في صحيفة "دايلي صباح" التركيّة أنّه من المهمّ جدّاً وقوف تركيا إلى جانب حليفها الأطلسيّ في أوقات الحاجة، آملاً في أن تحسّن المساعدة العلاقات التركيّة-الأميركيّة. لكن لم يوافق جميع المراقبين على طغيان النزعة الإنسانيّة على ما عداها من الجوانب في هذه الخطوة.


لا خدمات

المدير البارز لبرنامج تركيا في "مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيّات" والنائب السابق في البرلمان التركيّ أيكان إردمير يرى في موقع "وور أون ذا روكس" أنّ هذه المساعدة تهدف إلى الحصول على إمكانيّة النفاذ إلى الخزانة الأميركيّة للحصول على الأموال. وأشار إلى أنّ على إردوغان التوجّه إلى صندوق النقد الدوليّ كي يثبت أنّه لا يضع مصلحته الشخصيّة فوق المصلحة الوطنيّة لأنّ شروط صندوق النقد تشترط الحوكمة الجيّدة والشفافيّة وإجراءات مكافحة الفساد.

لكن غالباً ما هاجم إردوغان هذا الصندوق وقال أوساط الشهر الماضي إنّ تركيا "لن تخضع" له. يتّفق أتيلا يشيلادا، محلّل تركيّ في مجموعة "غلوبال سورس بارتنرز"، مع إردمير في أنّ رقابة صندوق النقد الدوليّ "تزعج" الرئيس التركيّ. وقال لموقع "أحوال" التركيّ إنّ قرضاً ميسّراً سريعاً من صندوق النقد الدوليّ بقيمة 60 إلى 80 مليار دولار مقابل تغيير سياسيّ جوهريّ وشفافيّة هو "الخيار الوحيد الذي سيؤمّن إغاثة طويلة المدى إلى الاقتصاد التركيّ." وأضاف: "لا يوجد حقاً أي خيار آخر. حاول إردوغان إيجاد تمويلات من الصين، روسيا، والاتحاد الأوروبي، وارتدّت جميعها عليه."

بالفعل، إذا كان الاحتياطيّ الفيديراليّ يميل إلى عدم فتح خطّ مقايضة مع البنك المركزيّ التركيّ فإنّ أنقرة واقعة في مشكلة كبيرة. في ندوة عبر الإنترنت أقامها "المجلس الأطلسيّ" شارك فيها مسؤولون أميركيّون وأتراك بارزون، قال السفير الأميركيّ في أنقرة دايفد ساترفيلد إنّ "هنالك متطلّبات معيّنة تحدّدها لجنة الأسواق المفتوحة في الاحتياطيّ" للقبول بخطّ المقايضة وأنّ هذا الأمر غير مرتبط بالسياسة. معنى ذلك أنّ تركيا لا تستطيع الاتّكال كثيراً على خدمة تقدّمها واشنطن في هذا الإطار.


"أس-400"... الحاضر الدائم

برز ملفّ ثان مرتبط بأزمة "كورونا" وهو تأجيل تركيا تفعيل منظومة "أس-400" بسببها. أكّد الناطق باسم الرئاسة التركيّة ابرهيم قالين في الندوة نفسها إنّ أنقرة ستفعّل المنظومة فور تلاشي الوباء. هنالك تساؤل متزايد عن سبب إصرار تركيا على التوجّه شرقاً علماً أنّها بحاجة لأموال الغرب كما لمنظومته الأمنيّة. فالهجوم على إدلب أدّى إلى استهداف عدد من نقاط المراقبة التركيّة وسقوط العشرات من الجنود الأتراك. وفي 9 آذار طالب الرئيس التركيّ بالمزيد من الدعم الأطلسيّ والغربيّ لبلاده في سوريا "من دون شروط".

ذكر إردمير كيف أنّ سقوط قتلى أتراك دفع أردوغان إلى تشغيل منظومات دفاعيّة تركيّة في إدلب بما أظهر أنّ تحوّله من أنظمة عسكريّة أطلسيّة إلى أخرى روسيّة لم يكن قراراً "حكيماً ولا مستداماً من منظور أمنيّ". ومع ذلك، توقّع أن يعود إردوغان إلى روسيا بعد انتهاء الأزمة. لكن ما الذي يدفعه إلى الإصرار على التحالف مع روسيا علماً أنّ موسكو خذلته في إدلب؟ هل الاستدارة نحو موسكو ذات طابع عقيديّ أو أنّها لا تزال تقدّم له نفوذاً أكبر نسبيّاً من النفوذ الذي يؤمّنه الحلف الأطلسيّ؟

حملت "النهار" هذا السؤال إلى إردمير فأوضح أنّ هذا التمحور الجديد مع روسيا "ليس مدفوعاً فقط بأولويّات أنقرة في الأمن القوميّ، لكن بمخاوف إردوغان حول النجاة السياسيّة في الداخل."

وأضاف: "يشعر الرئيس التركيّ بأنّ نظامه المتزايد تسلّطاً يجد موطناً مرحّباً بين التكتّل التسلّطيّ من دول، مثل روسيا، إيران، الصين، وفنزويلا، والتي لا تنتقد تركيا بسبب غياب حقوق الإنسان، حرية التعبير، أو حكم القانون لديها. من ناحية ثانية، يتوقع حلفاء تركيا الأطلسيّون من إردوغان احترام القيم العابرة للأطلسيّ، بما فيها انتخابات حرّة ونزيهة، وبالتالي، يتحدّون تكتيكاته القاسية للحفاظ على حكم الرجل الواحد."


الهدف داخليّ أكثر ممّا هو خارجيّ

إنّ مسارعة إردوغان إلى شراء منظومة "أس-400" كلّفته الكثير من الخسائر المعنويّة والمادّيّة على مستوى علاقاته مع الغرب. فهذا القرار لم يسمح له بإقامة علاقة متوازنة مع الغرب وروسيا كي يستفيد منهما، بل جعلت بلاده بطريقة شبه رسميّة في المحور الروسيّ، وحتى ولو كانت تحافظ شكلاً على عضويّتها في "الناتو". تفسير ذلك بحسب إردمير لا يكمن في العلاقات الخارجيّة لإردوغان بمقدار ما يتمثّل في حساباته الداخليّة:

"إنّ نظام الدفاع الجويّ أس-400، والذي كان عديم الفائدة تماماً ضدّ المقاتلين الروس والسوريّين في إدلب، لا يزال بإمكانه لعب دور في حماية إردوغان ضدّ مقاتلات تركيا نفسها من أف-16 خلال محاولة انقلاب مستقبليّة. دُفع تحوّل الرئيس التركيّ إلى المعدّات العسكريّة الروسيّة بمخاوف أردوغان حول أمنه الشخصيّ أكثر من المخاوف حول حاجات تركيا الدفاعيّة الجوّيّة."

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard