انتقامي يوم مرضتُ

30 نيسان 2020 | 11:22

المصدر: "النهار"

(تعبيرية- Edoardo De Falchi).

كان القطارُ يَرتَجُّ ويتقدّم بِبُطءٍ شديدٍ، كأنّما تدور عَجلاتُه على ذِهْني المَكدود. كان جسدي مُنهكًا للغايَة. لا أكاد أشعرُ بِعَضلاتي ولا بِأطرافي، كأنَّها انْفَصَلَتْ عنّي. تمالكتُ على نفسي. أحسستُ بالكلمات تَغيب من ذاكرتي. تتدافعُ أشلاءُ المعنى وتتَهاوى، الواحِدَ تِلوَ الآخَرَ. أسعى إلى وضع كلماتٍ عليها فلا أقدِر. آمَلُ أن أمسِكَها لأرميَ بها على فكرة ما دون جدوى، سوى شبحِ ثَأر قديمٍ لا أتبيَّنُه. أسلّي نفسي بمشهد الركّاب الذين يتزاحمون على العربة في هذه الصّباح البارِد من شهر كانون الثاني. في كلّ محطَّة، تمتلئ العربة أكثرَ فأكثر. من حُسْن الحَظّ، كنت جالسًا ولم أكُنْ واقفًا، وإلا لكانت الآلام أشدَّ. تجلس أمامي إمْرأة متوسِّطة الجَمال. أردتُ أن أتأمّلها بشهوةٍ، فقط لأنْسى آلامي. لكنَّني لم أتمَكَّن حتَّى من عتبة الاشتهاء العابر. انصرفتُ عنها إلى هاتفي الجوّال، أتَصفَّح مواقعَ الجرائد. قد تُعيينُني أخبارُ العالَم على تخفيف أوجاعي. الأخْبَارُ بائِسَةٌ. فيروس جائح يَملأ كلَّ العناوين ويتصدَّر المَقالات. تُرْهِبني الأرقام التي يوردونها عن إصاباته. الضّحايا بِالآلافَ. هل هو انتقامٌ إلهي؟

أرى امْرأةً واقفةً تحمل رضيعةً. أحدِسُ أنَّها في سَنَتِها الأولى. تَركتُ لها مَقْعدي على مَضَضٍ. يوشك جَسَدي على الانهيار. يشيعُ الإرهاقُ عَلى كل طرفٍ فيه. يَدايَ ترتعشان بقوّة. ذاكرة الكلمات تَضيع أكثر فأكثر. أشعُر بها تتباعد، كأنها تتسابَق من رأسي وتَخترق نافذةَ القِطار. عَواطفي مُعطَّلة. لا أكاد أمسكُ بفكرةٍ واحدةٍ سَويَّةٍ. أشعر أنني سأتهاوى أرضًا. تمالكتُ قليلاً. إذا سَقَطْتُ وَقَفَ القطارُ. وسَتَتَعطل مصالحُ مئاتٍ من المُواطنين البُسطاء أمثالي. نحن الذين نَستَقلُّه في ساعات الفَجر الأولى، كاليَوم.

هل أفعلُها؟ هل أتعمَّد تأخيرَهم عن العمل؟ راودَتني فكرةٌ غامضة: هذه فرصتُكَ للانتقام منهم. هؤلاء البيض الذين عَبثوا، من قبلُ، بأجيالٍ من أهاليَّ في ديارِنا، ثمّ من المهاجرين في ديارهِم هُم. قد تَتسبَّب إغماءَتي في إيقاف القِطار. فَضَّلتُ النزولَ. تحكَّمتُ في نفسي قليلاً حتى يُغمى عليَّ فوق الرَّصيفِ، لا داخِلَ القطار. كلما حَصَلَ حادِثٌ، يُشَلُّ نصفُ باريس. يوقَفُ كلُّ شيءٍ في انتظار الإسعاف والتحقيقات...

وبما بقيَ لي مِن وعيٍ باهتٍ، نَزلتُ بسرعَةٍ من العربَة. ارتَمَيْتُ على مقعدٍ حديديٍّ، ثُبِّتَ عَلى الرَّصيف. تحلَّق من حولي أربعةُ رجالٍ من ذوي البَشْرَة الدّاكِنة. في حين أسرَع الآخرون خُطاهُم. كأنَّ شيئًا لم يَحدُث. تجنّبَ هؤلاء "الأكابر"، بِياقاتهم البيضاء، رُؤيتي ملقًى على المَقعد. راحَ أحدُهم يَسألني أسئلةً لا مُناسبَة بينها وبين شَكلِهِ. كنتُ أسخَرُ منه في باطني. تساءلتُ: هلْ أنا عُنصريٌّ إلى هذه الدَّرجَة؟ لكنْ، لماذا يقلِّدُ هذا السيدُ الأبيضَ ويتعالَمُ مثله. بنبْرَةٍ مُتعاليَة: هل أنتَ مُصابٌ بداءٍ مُزمِنٍ؟ هل تتناولُ دواءً؟ على جُرعاتٍ أم حَقْنًا؟... لا علاقة لحالتي بأي مرضٍ مُزمن ولا بطريقة تَناول الدواء. لازمتُ الصّمتَ.

قال في لَهجة حازمَةٍ: لا بدَّ من استدعاء سيّارَةٍ الإسعاف. لا يجب أن نتركَ أيَّ مَجالٍ للخَطَأ أو التَّهاوُن. كانت لهجتُه رَسميّةً أكثرَ من اللازم. ثمَّ أخذَ يَجسُّ نبضي في حَرَكَةٍ متعالِمة، هي الأخرى. كنتُ أبتسم. أقول في نفسي: ها قد نَجَحَ البيض- على الأقل- في مهمتهم الحضاريّة. هذا الرجل يُتقنُ كلَّ عمليات الإسعاف الأولى. تَشتدُّ الآلام. يَخِزني ضميري. بأي حقِّ أمنعُ هؤلاء الأربعة الطيِّبين من الالتحاق بِعَمَلهم؟

بعدَ دَقائقَ معدودة، وصلَ رجالُ الإسعاف. بَدَأ أحدُهُم يوجِّه لي أسئلةً بنبرة مُتعالية، هو الآخَرُ. كأنه يَصيح. رَفضتُ الجوابَ. لا أدري السبَبَ. كان صَمْتي موقفًا مَبدَئيًا. أرفض أن أحوِّلَ وضعيات المَرضى أمثالي إلى أرقام وملفّاتٍ. قال إنه يحتاج إلى اسمي وتاريخ ميلادي والبطاقة الطبّية التي يُسمّونَها هنا Vital أي: حَيَويّ. اختفت الكلماتُ في زاوية مجهولةٍ من ذهني. لا أحدَ يَصل إليها. رفَضتْ الخروجَ وصَمَدَت في مخابِئها. "أنتَ غيرُ متعاونٍ"، صاحَ المسعفُ في وجهي بِاشْمِئزازٍ. أوقَفوني بكثيرٍ من الغِلظَة وأمروني بالسَّيْر معهم حتى سيّارَة الإسعاف: "هل عُدتَ من السَّفر مُؤَخَّرًا؟". تحوم كلُّ الأسئلة حول الصّين وهذا الفَيروس الضارب ولكن دونَ النطق بِأيٍّ من الاسمَيْن. أمام الباب الخَلفي للسيّارة، أمرَني بالانتظار وأمَرَني زميلُهُ بالصّعود. أمْرَانِ مُتَناقِضان وُجِّهَا إليَّ، بنفس الغِلظة وفي ذَاتِ اللحظة. كنت متهاويًا. لمستُ بالكاد هذا التناقضَ. سمعتُه ولم أبالِ بما فيه من تَهافتٍ. أَأَصعدُ أم أنتظِر؟ لا يَهُمّ. مجرد تعجُّب عابرٍ اعتَراني. لم يشتدَّ حتى يصيرَ استياءً من عجرفة هؤلاء المُسعفين. في النهاية، أعادَ الرجلُ الأمرَ بالصُّعود. فصعدتُ ولكن بمفردي. أجلسوني على كرسيٍّ. وأخذَ يَملأ استمارةً وهو يسألني عن اسمي وتاريخ ميلادي ووو...

لم أنْبس بكلمةٍ. جاءت مُوظَّفة القطار تَجري نحونا قبلَ أن تنطلقَ السيارةُ. كانت هي الأخرى داكنةَ اللونِ. صاحت، في لهجتها الكريولية: "لا بدّ من التثبُّتِ إن كانَ لَدَيْه تذكرة سَفَرٍ صالحة أم لا؟ هذا مهمٌّ جِدًّا بالنسبة إلينا، وكذلك إلى إحصائياتِنا". كانت أمعائي تتقطَّع. لي رغبة وحيدة: الإسراع إلى دَورَة المياه للتقيؤ. أشرفتُ على الإغماء. لم أرد إجابَتَها. ألَحّت بفظاظةٍ. مددتُ يدي إلى "اشتراك" السَّفَر السَّنوي. فيه اسمي ورقمي وحتّى صورَتي. ابتسمتْ السيّدة، كأنَّما تُداري خَيبَة أمَلها. ربَّما كانت تأمَلُ أن أكون سافرتُ دونَ تذكرة، مما سيُعفي شركتَها من كل التَّبعات. في حالة الحوادث الخطرِة، قد تُطالبُ شَركة النقل بتعويضاتٍ باهظة.

انطلقت السيارة إلى المستشفى الأقرب. تهاوَيْت من الكرسي على السرير. مَنَعَني رجلُ الإسعاف بغلظةٍ: لستَ هنا للنوم، ابقَ جالسًا في مكانك! واصَل طَرحَ أسئلته: "هل عُدتَ مُؤَخَّرًا من السَّفر؟ هل أنتَ مصابٌ بداء مزمنٍ؟" وواصلتُ أنا الاحتماءَ بالصَّمت رافضًا، كعادتي، أن أتَحَوَّل إلى مَلَفٍّ أو رَقمٍ، أي: "دابَّة اعتِرَافٍ". رغمَ حالتي المُزريّة، بدَأَ يصيح في وجهي ويطلق كلماتٍ نابيةً. لم أفهم سرَّ توتُّرِهِ. هل لأنَّه لم يَنَمْ ليلتَه؟ أم لأنَّني أجنبيّ. لم تَهدأ الآلام. بَطني يتقطَّع. أشَرتُ بيدي إلى بطاقة عمل داخلَ مِحفظَتي. قَرَأهَا: آه، أنتَ تَعملُ في وزارة الخارجيَّة. بلهجةٍ ساخرةٍ: مَرحبًا سيدي السَّفير!

بعد دقيقتيْن، وَصلنا إلى المستشفى. لِحسن الحظ كان قريبًا. اقتادَني مُسعفان وكأنَّما يَقتادان مُجرِمًا. أودَعَاني قاعةَ الانتظار. جاءت الممرِّضَة: "لو سَمحتَ، الاسم، وتاريخ الميلاد. هل كنتَ في سفرٍ خلالَ المدة الماضية؟ هل أنتَ مصابٌ بمرضٍ مُزمِن؟ هل معك بطاقة Vital؟ هل..هل...؟. تَرَكها رجال الإسعاف ومَضوا دون إلقاء التحية، لا لها ولا لي طبعًا. أوغادٌ. مَلأتْ الاستمارَةَ وطلبتْ منّي الانتظارَ وحيدًا في تلك القاعة الباردة.

ما هي إلا لحظاتٌ قليلة، حتى تراءت من النافذة سيّارةُ إسعافٍ أخرى. نَزل منها شرطيّان يَقتادان رجلاً أسودَ البَشرة، يداه مربوطتان إلى الخلف بالحَديد. كان "مَغاربيَّ الملامِح"، كما يقال هنا. يَرتدي بزَّةً بيضاء كتلك التي يرتديها العمال في قِطاع الإشعاع. كان ينظر إلي الشرطي قائلاً: أنت عنصريٌّ. كان الشرطي شابًّا أسودَ اللون، هو الآخر. أجابَهُ بنَبرَةٍ وَديعة: "لستُ عنصريًّا أبدًا. أنتَ لا تعرفني، فكيف تَحكم عليَّ؟ فقط، أنا لا أحبّكَ. ولا أحبُّ وَجهَكَ القبيحَ". أجلسوه على كرسيٍّ بمحاذاتي، دون أن يفكوا يَديْه المربوطتيْن إلى ظَهره. كان هذا الموقوف مخدَّرًا أو مَضروبًا. ثمة جروحٌ في وَجهه... فجأةً زَالَت كلُّ الآلام التي كانت تَحجِزُني.

رجعتْ المُمرّضةُ تحمل مَلفًا جديدًا في يَديْها. "السيد...!" وتَأتَأتْ، كأنّما عَجَزت عن نطق اسمي الأجنبي. نعم، أنا السيد...لم أنطقْ بِاسمي نكايَةً. أنا مستَعدٌّ أن أوَقِّعَ على كلِّ الوثائق التي تَشائين ولكن بشرط أن تدَعيني أغادر. أريد أن أذهبَ. لا أودُّ التّداوي عندكم. "يمكنكَ الذهابَ. لا نحتاج إلى أيّ توقيع". أجابتني ببُرودٍ ولامُبَالاةٍ.

خرجتُ من الباب الخلفيِّ للمستشفى. شاعَ ضوءُ النهار في هذا الحيّ الراقي من مدينة باريس. بَدَت المباني أمامي مشرقةً جميلةً. نَسيمٌ خفيفٌ لَفَحَ وجهي. تذكّرتُ بطلَ نجيب محفوظ الذي لَفَحته نسمةُ الحرّية. أسرعت في مشيتي. لم أدْر من أين جاءت تلك الطاقة فجأةً. عاوَدَتني صورة الموقوف وكَلمات الشرطيّ: أنا لا أحبُّ وجْهَكَ القبيح.

بدأتِ الكلماتُ تعود إلى ذاكرَتي. صرتُ قادرًا على تثبيتِها فوقَ الأشياء. أخذتُ القطارَ من جديدٍ. ما إن تجاوزَ المَحطَّة الأولى، حتى عاودني الألمُ. أغميَ عليَّ. قرّرتُ، بما بقي لي من وعْيٍ، أن أتعمَّدَ إيقافَ القطار. هذه المرة، سَأنْتَقمُ.

هل يسمح الغرب بأن يتّجه لبنان شرقاً؟



إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard